الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ من أشرف الأعمال -وهي سبيل المصطفى -صلى الله عليه وسلم-- ولذلك ينبغي لمن تسنم هذا المركب الصعب أن يكون أهلًا له وأن يحصل الأدوات المعينة له في أداء هذه الرسالة العظيمة...
حول الدعوة وعظم شأنها وصفات الداعية الناضج وغير ذلك من هموم الدعوة.. التقينا بفضيلة الشيخ د. تركي بن عبدالله الشليل -مدير مكتب الدعوة وتوعية الجاليات شمال الرياض-، ودار معه هذا الحوار:
• ما أهمية الدعوة إلى الله ومكانتها في الإسلام؟
مقام الدعوة في الإسلام عظيم، بل هي أساس من أسس انتشاره وركن من أركان قيامه، يبيّن ذلك جلَّ وعلا... فيقول: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].
فلولا الدعوة إلى الله ما قام دين، ولا انتشر إسلام، ولولاها ما عَبد الله عابد وما دعاه داع، وفي هذا يقول جلَّ وعلا آمرًا رسوله بالدعوة وتبليغ الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67].
شرف عظيم
ونظرًا لأهمية الدعوة وعظم مكانتها في دين الله؛ جَعل اللهُ لأصحابها شرفًا عظيمًا ومقامًا رفيعًا، وإمامة للناس في الدنيا بقوله سبحانه عن الداعين لدينه المهتدين بهداه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، هذا في الدنيا.
أما في الآخرة فقد جعل الله لصاحب الدعوة أجرًا عظيمًا، ومنزلة كبيرة ومقامًا كريمًا؛ يقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
ففي هذا النص يقرر سبحانه: أن الدعوة إلى الله المقرونة بالعمل الصالح: من أجل الأعمال، وأفضل العبادات، وهي شهادة لصاحبها ومن أحسن الناس دينًا، وأقومهم طريقًا.
الدعوة والفلاح
وعدَّ اللهُ مَن دعا إلى الخير والهدى من المفلحين؛ فقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
ويُخبِر -صلى الله عليه وسلم- عن عظم أجر دعوة الناس إلى الله فيقول -لعلي رضي الله عنه في حديث طويل-: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم»، وحمر النعم: هي النفيس من الإبل.
قال الإمام العسقلاني مُعلِّقًا على هذا الحديث: «قيل: المراد: خير لك من أن تكون لك فتتصدق بها، وقيل: تقتنيها وتتملكها». انتهى كلامه -رحمه الله-.
وكفى بالداعية أجرًا ومقامًا كريمًا أن ثوابه يتضاعف في الكم ويمتد في الزمن؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن دَعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يُنقص ذلك من أجورهم شيئًا».
فكل دعوة يقوم بها الداعي يؤجر عليها وإن لم يستجب المدعوون، أما إن استجابوا وعملوا بها؛ كان للداعي أجرٌ بكل عمل يقوم به المدعو، مهما كان عدد المدعوين، ومهما امتد زمن عملهم بدعوته، لا ينقص ذلك من أجر المدعوين شيئًا.
ولا شك أن عملًا له ولصاحبه هذه المكانة، لحريٌ أن يكون من أجل الأعمال وأزكاها عند الله -جلَّ وعلا-.
صفات الدعاة
• ما هي أهم صفات الداعية إلى الله؟ وما يشترط لقيامه بالدعوة؟
لا شك أنه يجب أن تتوافر في الداعية شروط وصفات، تؤهله للقيام بمهمته، ولعلي أتطرق هنا إلى أهمها -إذ المقام لا يتسع للبسط فيها-:
يقول جلَّ وعلا: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. نأخذ من هذه الآية الكريمة شرطين من الشروط التي يجب توافرها في الداعية قبل أن يقوم بالدعوة إلى الله:
الشرط الأول: أن تكون نِيَّتُه خالصةً لله -عزَّ وجلَّ-، وأن يكون مقصوده ثواب الله -سبحانه وتعالى- وإقامة دينه، وإصلاح المدعوين على الطريق السليم.
فلا يريد عوضًا من الدنيا، ولا يريد رياءً ولا سمعة، وإنما يريد بذلك وجه الله، وأن يكون قصده إخراج الناس من الظلمات إلى النور، من الكفر إلى الإيمان، ومن الضلال إلى الهدى، ومن المعصية إلى الطاعة.
ففي قوله سبحانه «إلى الله»: تنبيه على إخلاص النية. يقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله حول هذه الآية-: «وفيه التنبيه على الإخلاص؛ لأن أكثر الناس إنما يدعو إلى نفسه».
الدعوة على بصيرة
ويضيف: الشرط الثاني: أن يكون الداعية على بصيرة في دعوته، على علم كاف بما يدعو إلي.
فالجاهل لا يَصلُح للدعوة، حتى وإن كانت نيته صالحة، فإنه قد يفسد أكثر مما يصلح.
فالذي يدعو إلى الله يحتاج إلى أن يبين للناس الخطأ من الصواب: في العقيدة، وفي العبادات، وفي المعاملات... وغيرها، فإذا لم يكن عنده علم؛ فإنه يفسد أكثر مما يصلح؛ إذ قد يُحِلُّ حرامًا أو يُحَرِّمُ حَلَالًا، أو يُضَيّق على الناس في أمور جاء الدين بالتيسير فيها، أو العكس.
كما أن الذي يدعو إلى الله يعترضه خصوم، ويَعتَرِضه مُشَبِّهُون، ويَعترضه منافقون، فإذا لم يكن مؤهلًا بالعلم الشرعي، الذي يستطيع به أن يرد على شبهاتهم وخصوماتهم؛ فإنه ينهزم من أول الطريق وينتصرون عليه، ويكون هذا على حساب الدعوة.
فالبصيرة هي العلم، وهي من ضروريات الدعوة، أما مجرد النية الصالحة، ومجرد محبة الخير بدون علم؛ فلا يكفي.
الحكمة والرفق
أما أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعية: فهي الحكمة والرفق حال الدعوة، والصبر وتحمل ما قد يترتب على دعوته من أذى.
وفي هذه الصفات يقول عزَّ من قائل: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
ويقول سبحانه -على لسان نبيه لقمان عليه السلام موصيًا ابنه-: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].
فلا بد للداعية من حلم ورفق في حال الدعوة، ولا بد له من صبر على الأذى بعد الدعوة.
والداعيةُ الآمرُ بالمعروف والناهي عن المنكر والمتواصي بالحق: يقف أمام رغبات الناس وأهوائهم، ويمنعهم من التمادي فيها، والناس إذا وقف أحد أمام رغباتهم وشهواتهم؛ لا بد أن يؤذوه: إما بقول أو فعل؛ فلا بد للداعية أن يصبر ويتحمل.
ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، فكم لاقى وعانى في دعوته؟ وكم صَبر وتحمل -صلوات ربي وسلامه عليه-؟، حتى أقام الحجة على الدعاة في الحكمة والصبر والتحمل لتحقيق هدفه.
أهم وسائل الدعوة
• لا شك أن وسائل الدعوة كثيرة، فما أهمها؟
وسائل الدعوة -كما عرّفها أهلُ العلم-: «هي كل الطرق والأسباب التي من شأنها أن تجعل الدعوة الإسلامية واقعًا متحققًا في الحياة، سواء كانت أسبابًا شرعية -أمر الله بها أو ندب إليها في الكتاب والسنّة-، أو مستحدثة دل الشرع على إباحتها».
وبهذا يتبين أن وسائل الدعوة بالمفهوم الشامل الذي أشرتُ إليه: يصعب حصرها...:
فالاتصال الفردي: وسيلة عظيمة، وقد كانت أول وسيلة دعا بها رسولُ الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، ودخل خيارُ أصحابه في الإسلام عن طريقها، فقد آمن أبو بكر وعليٌّ وخديجةُ وزيدُ بن حارثة -رضي الله عنهم-، لما عَرَض النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الإسلام قبل أن يَسمعوا خطبة أو يحضروا درسًا، هذه من وسائل الدعوة بالاتصال الفردي.
أما وسائل الدعوة بالاتصال الجماعي: فهي كثيرة ومتعددة أيضًا؛ منها: الخطب والدروس والمحاضرات والندوات، واستغلال التقنية الحديثة في تبليغ الدعوة إلى أقصى ما يمكن عبر استخدام الشبكة العنكبوتية، أو الهاتف أو غيرها من الوسائل الحديثة.
ومن أبرز وسائل الدعوة المؤثرة: الدعوة بحسن المعاملة والالتزام بالدين، فكم بَلَّغ الدعوةَ تُجَّارٌ وسُيَّاحٌ في بلاد الغرب بحسن معاملتهم، والتزامهم بمنهج الدين القويم، ولا أدل على ذلك من انتشار الإسلام في بلاد بعيدة بتوفيق الله جلَّ وعلا، ثم بدعوة التجار المسلمين الذين زاروا تلك البلاد وزاروا الإسلام فيها بحسن معاملتهم.
هدي الكتاب والسنَّة
• لا شك أن للمملكة العربية السعودية اهتمامًا بالدعوة وعناية، فلعلكم تتطرقون لذلك بشيء من الإيجاز؟
هذه البلاد المباركة قامتْ منذُ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -رحمه الله- على أساس الكتاب والسنّة، ومتابعة هدى السلف الصالح، ونشر الدعوة إلى الله -جلَّ وعلا-.
وهذا الأساس كان في وقت تتنازع الدول فيه للالتفاف حول الشرق والغرب؛ بحثًا عن دساتير مختلفة، فقام البيان في هذه البلاد على دعوة كريمة صالحة، وهي الدعوة إلى الكتاب والسنّة، ومنهج السلف الصالح.
ومن هذا المنطلق، قامت الدولة المباركة بأعباء الدعوة إلى الله -جلَّ وعلا-، مِن أَول نشأتها وحتى الآن، فأنشأت مؤسسات وهيئات حكومية تعنى بالشؤون الإسلامية، والدعوة الإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنشأت مؤسسات ومنظمات أهلية لأجل خدمة الإسلام في الداخل والخارج.
وإذا ما تطرقنا لهذه الجهود المباركة، فيمكن نقسمها إلى مستويين: الأول: داخل المملكة العربية السعودية، والمستوى الثاني: خارج المملكة العربية السعودية. وسأكتفي بالإشارة إلى شيء منها، لصعوبة حصرها في هذه العجالة.
فمن الجهود المبذولة على المستوى الداخلي للمملكة:
إنشاء مكاتب الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات في جميع أنحاء المملكة، ودعمها والاهتمام بها عن طريق وزارة الشؤون الإسلامية، وهي تُعنَى ببَثِّ الإرشاد للمسلمين بالمحاضرات ونشر الكتب والمطويات والشريط الإسلامي، وتعني كذلك بدعوة غير المسلمين ممن قدموا لهذه البلاد حتى دخل في دين الله الكثير منهم.
ومن هذه الجهود تقوية ودعم العمل المؤسسي الإسلامي والخيري، حتى أصبح أكثر تنظيمًا.
نشر الدعوة في الخارج
أما على المستوى الخارجي: فلا يخفى دعم المملكة لقضايا المسلمين والدفاع عنها، سواء من الجهة السياسية أو المادية، وهذا الدعم القوي لقضايا المسلمين: ينبع من مكانة المملكة العربية السعودية أولًا، ثم مِن قدرة خادم الحرمين الشريفين على صياغة العمل السياسي بما يخدم أهداف الشريعة الإسلامية، فالشريعة الإسلامية -كما هو معروف-: أمر بالإصلاح بين الناس، وأمر بدفع الظلم، فالإسلام دين العدل، والعدل يرفض الظلم بأي نوع من أنواعه والقضايا في هذا المجال كثيرة.
كذلك نشر الدعوة في خارج المملكة عبر دعم المراكز الإسلامية المنتشرة في العالم، وندب الدعاة إليها، والاهتمام بالأقليات المسلمة ودعمهم في جميع أنحاء العالم، ولا ننس الاهتمام بطباعةِ ونشرِ المصحف الشريف، وإيصالِه لأقصى الأماكن التي يمكن أن يوجد بها مسلمون.
هذه بعض الجهود على عجالة، وإلا فهي كثيرة ومتعددة.
• هل هناك ما تَودُّون الإشارة إليه في ختام هذا اللقاء؟
في الختام: أُذَكِّر نفسي وإخواني بضرورة العناية والاهتمام بأمر الدعوة إلى الله، وضرورةِ المساهمة في هذه العبادة العظيمة، كُلٌّ بحسب استطاعته؛ فلو تأمل الجميع فيما يمكن أن يقدمه لأداء واجب الدعوة؛ سيجدُ وسيلة تناسبُ حاله وحال المدعوين، ولن يعدم الخير في هذه الأمة -بإذن الله تعالى-.
مجلة الدعوة
العدد : 2250 الأحد 24 رجب 1431 هـ