حوار «مجلة الحسبة» مع
فضيلة الشيخ الدكتور: صالح بن غانم السدلان
أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 

قد يعتقد كثير من الناس سواء داخل المملكة أو خارجها أن دور الحسبة والمحتسبين يتركز على النهي عن المنكرات ومقاومة صور الفساد. وأن الأمر بالمعروف يأتي في المرتبة الثانية من عمل رجال الحسبة.، غير أن فضيلة الدكتور صالح بن غانم السدلان أستاذ الدراسات العليا، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية يصحح هذا المفهوم، ومفاهيم أخرى حول (الحسبة ورجالها)، في هذا الحوار الذي خص به مجلة (الحسبة) وشمل عدداً من قضايا الاحتساب وجهود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورده على ما قد يُثار من شبهات حول شعيرة الحسبة.

لأن مثل هذه الحوارات واللقاءات تهدف في الأساس إلى نشر ثقافة الاحتساب وبيان الحق فقد سألنا فضيلة الدكتور صالح السدلان في البداية عن الفرق بين الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

- سؤالك يقتضي بيان ثلاثة أمور : المعروف ، والمنكر، والحسبة.

فالمعروف هو كل ما أمر به الشارع من اعتقاد أو قول  أو فعل أو اقرار على سبيل الوجوب أو الندب أو الإقامة.

والمنكر: هو كل ما نهى عنه الشارع من اعتقاد أو قول أو فعل على سبيل التحريم أو الكراهة.

أما الحسبة في اللغة: فهي مشتقة من الاحتساب، وهو طلب الأجر من الله، كما في الحديث: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً» أي طلباً للأجر من الله.

وأما الحسبة في الاصطلاح: فهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله.

أما سؤالك عن الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين الحسبة فإن الأمر والنهي أعم من الحسبة، فالمعروف يؤمر به حتى وإن لم يترك، والمنكر ينهى عنه حتى وإن لم يرتكب، فالحسبة أخص؛ لأنها تتعلق بالمعروف الذي يترك والمنكر الذي فعل.

هل الحسبة شعيرة أم ولاية؟

- إذا أردنا الحسبة بمفهومها العام، فهي تشتمل على ما كان ولاية وما كان غير ذلك، بمعنى أن تكون مرادفة في مفهومها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما إذا أردنا الحسبة بوصفها ولاية من ولايات الدولة المسلمة، فإن الحسبة هنا وبهذا الوصف تعد أحد تطبيقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هل يستطيع المجتمع المسلم أن يعيش بدون تطبيق الحسبة؟

- الحسبة أمر الله بها لما فيها من الخير والصلاح للعباد ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران)، وفي الحديث النبوي: «من رأى منكم منكراً فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.

كما أن الحسبة سبب لخيرية هذه الأمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

أما ترك الحسبة فيعرض الأمة للعن والعذاب ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة).

فالحسبة لها أثرها العظيم في المجتمع المسلم ودور المحتسبين لا يخفى على أحد في تحقيق الأمن والاستقرار والحد من المنكرات.

ولا شك أن المحتسبين متعاونون في ذلك سواء كانوا ينتمون إلى الهيئة والجهاز الذي عيّنه ولي الأمر أو ينتمون إلى هيئات ووزارات أخرى.

فضيلة الشيخ: هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تتولى الاحتساب في المجتمع تتعرض للهجوم والتشكيك والهمز واللمز من البعض.. كيف يرى فضيلتكم التعامل مع هذه القضية؟

- الداعية إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمحتسب ومعلم الناس الخير يتوقع مثل هذه الأمور، فإذا كان الأنبياء والرسل وهم المرسلون لم يسلموا من الأذى والصد ، فكل من هو دون الأنبياء لا بد أن يتوقع ذلك ويستمر في دعوته واحتسابه فإذا وفق في دعوته واحتسابه فليحمد الله على ذلك ، وعلى المحتسبين ورجال الهيئة أن يصبروا ويقابلوا الأذى بالحكمة والعفو والصفح وبيان الحق وإظهار حرصهم وحبهم للمحتسب عليهم.

قد يربط البعض بين الحسبة والعنف .. فكيف يمكن تصحيح هذا المفهوم؟

- هذا الربط غير صحيح وربما يصدر عن جاهل أو مغرض ، فالجهة المنوط بها الحسبة وهي في المملكة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتعامل مع المنكر وفق الحال، فرجال الحسبة لا يستخدمون العنف ولا يبدؤون به، ولكن إذا لم يندفع المنكر إلا بالحزم، فلا مانع من استخدام الحزم حتى يرتدع الذين يريدون الإفساد في الأرض.. وعلينا أن نتذكر أن للحسبة مراتبها في إنكار المنكر آخرها استخدام اليد فأين الذين يستنكرون استخدام القوة في إنكار المنكر من مراتب الحسبة الكثيرة، والتي منها التعريف بالمنكر والنصح والإرشاد والتغيير باللسان وغير ذلك.

وماذا عن التركيز على الأخطاء التي قد تقع من رجال الحسبة أو تنسب إليهم وهم لم يفعلوها؟

- ليس من مصلحة المجتمع المسلم النيل من رجال الحسبة والقدح فيهم والتركيز على ما قد يقع من أخطاء، فهؤلاء الرجال نذروا أنفسهم لعمل الخير وإصلاح المجتمع والنهي عن المنكر وقبلها الأمر بالمعروف، فهم في خير وإلى خير والأخطاء التي قد تقع لا تحسب على كل رجال الهيئة ولا توجد جهة لا يقع فيها الخطأ، وما منا من أحد إلا وعنده خطأ فلا ينبغي أن نركز على خطأ بعينه ونضخمه ونترك الحسنات والإيجابيات، والأخطاء إن وقعت من أي جهة أو فرد فيجب أن تصحح وليست مبرراً لإلغاء هذا الواجب العظيم.

كيف تنظرون إلى العلاقة بين الإعلام ورجال الحسبة؟

- الإعلام نافذة مهمة على المجتمع وسائل الإعلام بشكل عام أو ما يصدر عن الهيئة من مجلات وإصدارات، وأعمال رجال الحسبة وما يقومون به من دور مهم في المجتمع وهو تحت نظر الإعلام، فعلى الهيئة ورجالها التعاون مع هذه الوسائل واستغلالها ليس للدفاع عن أعمالهم وإنما لدور الإعلام في مساعدة رجال الحسبة على أداء مهامهم وتوصيل رسالتهم إلى المجتمع، ونحن نجد ذلك التعاون قائماً فيما ينشر ويذاع من منكرات تمكنت الهيئة من إنقاذ المجتمع من شرها.

قد يظهر للناس أن الغالب على عمل رجال الحسبة هو النهي عن المنكر فقط دون الأمر بالمعروف.. ألا ترون أن هذا المفهوم يحتاج إلى تصحيح؟

- بلى.. لأنه مفهوم خاطئ فدور الهيئة وعمل رجال الحسبة يبدأ بما بدأ به الله عز وجل وهو: ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). فالهيئة تقوم بالأمر بالمعروف والمناصحة والإرشاد وما يحتاج إليه من حكمة وموعظة حسنة ومجادلة بالتي هي أحسن وكذلك صبر واحتساب، وكذلك تقوم الهيئة بجانب النهي عن المنكر سواء باللسان أو باليد وما يحتاج إليه ذلك أيضاً من حكمة وتقدير للأمور واتباع المنهج النبوي.

إذن عمل الهيئة لا يتوقف عند حد إنكار المنكر وإنما لها دور آخر يدخل في الاحتساب بمفهومه العام؟

- عمل الهيئة كبير ولا يتوقف عند حد فهي تسهم في محاربة البدع والشركيات ومظاهر الفساد وهي تشارك في تعبيد الناس لله وإدخال الناس في الإسلام، وقد يكون من مهامها الإصلاح بين الناس والصلح بين المتخاصمين والمتناحرين وقد يكون للهيئة دور في العناية بالأيتام والأرامل والفقراء والمساكين بالتعاون مع الجهات المسؤولة عن ذلك.

وما نصيحتكم للمحتسِب والمحتسَب عليه؟

- كل محتسب سواء كان منفرداً أو بعمل من خلال الهيئة عليه أن يتصف بصفات الدعاة والناصحين ومعلمي الناس الخير، وعلى رجال الهيئة أن يدركوا أن الأنظار موجهة عليهم، وأنهم معرضون في عملهم لصعوبات واختبارات فعليهم بالصبر والأناة والدعاء وأن يناصحوا الناس ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وأن يبدأ المحتسب بنفسه وبالأهم وأن يوازن بين المصالح والمفاسد.

أما المحتسب عليهم من أفراد المجتمع فعليهم أن يتعاونوا مع رجال الهيئة وأن يقدروا عملهم ويثقوا فيهم ويدركوا أن جهودهم أن جهودهم منصرفة إلى خدمة المجتمع وحمايته- بإذن الله- من المنكرات والإسهام مع مؤسسات المجتمع المعينة في تحقيق الأمن والاستقرار داخل المجتمع، بل على الناس أن يدافعوا عن رجال الهيئة ويرفعوا الأمر إليهم ويبلغوهم بأماكن المنكر.

دائماً عند الحديث عن تجربة توحيد المملكة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز- رحمه الله- يُتحدث عن جهاز الحسبة الذي أمر الملك عبدالعزيز بإنشائه كأحد أهم أجهزة الدولة.. كيف تنظرون إلى هذه التجربة؟

- المملكة توحّدت وتأسست على نقاء العقيدة وتطبيق الشريعة، ولأن الحسبة أصل من أصول الإسلام العظيمة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اهتم الملك عبدالعزيز- طيّب الله ثراه- بهذا الأمر وهذا الأصل، وأنشأ لولاية الحسبة جهازاً خاصاً بها، ومنذ ذلك التاريخ تنفرد المملكة العربية السعودية بوجود جهاز خاص بالحسبة وهو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلكل مجتمع مسلم طريقته في منع المنكرات ومنهجه في الدعوة إلى الله، لكن لا يكاد يوجد مجتمع مسلم سوى المملكة يقوم فيه جهاز خاص بأمور الحسبة وهذا مما يميّز التجربة السعودية في التوحيد والتأسيس وتطبيق الإسلام عقيدة وشريعة.

أخيراً فضيلتكم .. كانت لكم تجربة للعمل بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمركز هيئة العليا.. ماذا عن هذه التجربة وعن علاقتكم بالهيئة؟

- العلاقة بيني وبين الهيئة ممتدة ولم تنقطع، فهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها علاقات وثيقة وقوية مع العلماء وأساتذة الجامعات والدعاة والجامعات والوزارات وغير ذلك.

لكنني بطبيعة الحال لن أنسى أنني كنت واحداً من أعضاء الهيئة لمدة ثماني سنوات عندما كنت مسؤولاً عن مركز هيئة العليا، وكان يعمل معنا في ذلك الوقت 42 عضواً، ومن موقع المسؤولية هذا أدركت مدى الجهد الذي يبذله رجال الهيئة ومدى ما يعانونه من ضغوط في العمل ومن أوقات يبذلونها لخدمة دينهم وبلدهم وهم محتسبون بالجهد والوقت وصابرون ومقدرون لهذه المسؤولية التي يعتزون بحملها ويدعون الله أن يعينهم على حملها، ونحن ندعو الله معهم أن يعينهم على مسؤوليتهم وأن يثيبهم وثبتهم.

[«مجلة الحسبة»«العدد114»«الصفحة 58-60»]

 


 
ارسل لصديق | طباعة

» التاريخ :
22/02/1433 


اقرأ ايضا
وظيفة الرسل الأولى
مقطورة الهيئة
تطبيق الأمر بالمعروف يحفظ أمن الناس وإيمانهم
الدكتور سلطان الحصين في حوار مع الحسبة
فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان في حوار مع الحسبة
الدكتور توفيق السديري في حوار مع الحسبة
فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح آل الشيخ في حوار مع الحسبة
معالي الشيخ صالح الفوزان في حوار مع الحسبة
مهندس مشروع الجودة د. حسين القرشي في حوار مع الحسبة
رئيس مركز هيئة البقيع