إجازة الصيف

 

الإجازة تعني الفراغ عند الكثيرين وخاصة الشباب والطلاب، فبمجرد أن ينتهي العام الدراسي تبدأ مشكلات ومعاناة الإجازة التي لم يعرف الكثيرون كيفية استغلالها والاستفادة منها، بل إن أمر الإجازة والفراغ يتحول إلى خطر محدق بالأسر والمجتمعات عندما يتجه الشباب إلى ممارسات خاطئة من سهر وتسكّع في الشوارع والأسواق والوقوع في براثن الصحبة الفاسدة التي قد تقود إلى المخدرات والإفساد والانحراف الفكري والأخلاقي فضلاً عن سعي الكثيرين للسفر إلى الخارج دون ضابط أو هدف سوى أنه “مسافر ليضيع الوقت”!

فضيلة الدكتور علي بن عمر بادحدح يتحدث عن الإجازة الصيفية وما يقع من مشكلات وتهاون في الصيف، ويضع يده على أسباب ذلك وكيفية العلاج، ويوجِّه شباب الأمة إلى استغلال الوقت واكتساب المهارات المختلفة والنافعة.

 

الصيف ومظاهر التهاون

يبدأ فضيلته حديثه بالتأكيد على أن الحديث يتجدد – ونحن على أبواب الصيف – عن مجتمعاتنا والصيف، ذلك أن أموراً وأحوالاً وأوضاعاً  كثيرة ربما يقع فيها كثيرون وهي مما ينبغي أن ينتبه له المسلم، وأن يحذر منه المؤمن، لأنه لا يليق به ولا يتناسب مع غاياته وأهدافه، ومع سماته وصفاته. وهناك ظواهر كثيرة تقع في الصيف والإجازة يقف الشيخ عند بعضها بشيء من الوضوح والصراحة.

 

إدمان السهر والانشغال باللهو

ويشير الدكتور بادحدح إلى أن كثيراً ما يرتبط بالأذهان أن إجازة الصيف هي خلو عن أي عمل، وترك لأي طلب أو أخذ أو زيادة في العلم، وهذا يظهر أكثر في صفوف طلاب المدارس والجامعات الذين تتوقف دراستهم؛ فيرى أحدهم أن نظره في كتاب، أو مطالعته في مسألة، أو مراجعته لمنهج من المناهج كبيرة من الكبائر، وعظيمة من العظائم، وتسلط في أذهان كثير من أبنائنا وشبابنا أن هذه الفترة رغم امتدادها وطولها، ورغم وجود الفراغ فيها، ورغم تهيؤ كثير من الأسباب النافعة خلالها أنه ينبغي لهم أن يكونوا عاطلين من كل علم وعمل، ونجد ذلك يتمثّل في صور عملية، وظواهر اجتماعية كثيرة، منها: السهر والعبث: فنحن نرى كثيرين في هذه الأوقات لا ينامون إلا بعد الفجر، أو ربما بعد انبثاق النور وبداية النهار، وذلك ليناموا بعد ذلك سائر يومهم، ونجد هذا السهر عابثاً ليس فيه شيء ينفع ويفيد في غالب الأحوال، بل فيه لغو باطل، وكلام لا نفع فيه، وربما وقع فيه اجتماع على بعض صور وأعمال من معاصي الله عزَّ وجلَّ، وربما يكون فيه كثير من أسباب الأذى؛ ولذلك نجد هذه الصورة تبرز لنا لتدلنا على هذا التعطل والبطالة. وصورة أخرى نراها أيضاً تابعة لها، وهي النوم والكسل: فلا انشغال بعمل، ولا ارتباط بهدف، ولا سعي لإنجاز مهمة، بل لو كان هناك وقت غير النوم فإنه يقضى في الفراغ الذي لا جدوى فيه ولا نفع. ونجد أيضاً صورةً ثالثة: وهي التفاهة والأذى التي نجد فيها كثيراً من الشباب والشابات، رغم سهرهم وعبثهم، ورغم نومهم وكسلهم، يفيض الوقت لكثرته، فلا يقضونه إلا في أمور تافهة، يفكر أحدهم في ملابسه أو سيارته، وتفكر الأخرى في زينتها أو أسواقها، أو غير ذلك، ويقع من وراء ذلك ما يقع من الأذى للناس، أو من التجريح لهم، أو ما يقع من آثار الاجتماعات والتجمعات التي يقضون فيها أوقاتهم، فنجد حينئذ تجسداً لهذه الصورة التي لا تليق بالمسلم، فضلاً عن شباب الأمة الذين هم أملها المرتقب.

 

أسباب التهاون في إجازة الصيف

ولكن ما أسباب التهاون في إجازة الصيف؟ يبين فضيلته ذلك فيقول: إن هناك تربية أسرية تكرس أسباب التهاون في إجازة الصيف، فنجد كثيراً من الآباء والأمهات يغرسون في نفوس أبنائهم أنه لا ينبغي له أن يقرأ، ولا أن يتعلم ولا أن يعمل شيئاً، ولا أن تسند إليه مهمة، ولا أن يقوم بأي شيء. وكذلك نجد أمراً آخر يساعد على ذلك، وهو البيئة الاجتماعية – الدائرة الأوسع من دائرة البيئة الأسرية – فنحن نرى حديث الناس في الصيف عن قضاء الأوقات أو قتلها في اللهو والعبث، أو غير ذلك من الصور التي تكرس هذا المعنى. إننا حينما نجسد هذه الصورة نقف على خطر عظيم، ذلك أن هناك وقتاً طويلاً يمتد إلى أشهر، وشبابنا وشاباتنا وطلابنا وطالباتنا تصل أعدادهم إلى الملايين، وهناك أوضاع متنوعة متعددة تضيع بلا جدوى ولا ثمرة. ونحن أمة نحتاج إلى مزيد من مضاعفة الجهد والعمل وتحصيل الثقافة والعلم؛ لندرك من سبقنا في أبواب كثيرة من أبواب التقدم والعلم، ولنحصل كثيراً مما فاتنا وسبقتنا إليه أمم أخرى، ومع ذلك نجد الأمر على النحو الذي نراه ونعيشه.

بل إننا نجد شكوى مزعومةً من بعض الشباب في أوقات الدراسة، هذا وهم يأملون ويؤجلون كل آمالهم وطموحاتهم إلى الإجازة؛ فتجد أحدهم لا يجد فرصةً للعبادة والطاعة بحجة انشغاله بالدراسة، وآخر لا يجد متسعاً من الوقت للثقافة والاطلاع وزيادة المعلومات بسبب الانشغال بالتحصيل والاختبارات، وثالث لا يرى فرصةً لتنمية المهارات، أو ممارسة الهوايات، فأين هذا كله إذا جاءت الإجازة؟

 

كيف حال العبادات والطاعات؟!

ويتساءل الدكتور بادحدح مستنكراً، أين قيام الليل من هذا السهر العابث واللهو التافه الذي تقضى فيه كثير من الأوقات؟ أين قول الله عزَّ وجلَّ: ]وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[[الذاريات: 18] أين أنت أيها الشاب المسلم من قول الله عزَّ وجلَّ: ]إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً[ [المزمل: 6]؟ أفلا تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصغار الصحابة، وتذكر الشباب الغض الطري كيف كان يقضي ليله، وهو في النهار من المجاهدين ومن العاملين، لا من النائمين والكسالى الذين تتاح لهم فرصة للراحة، مع ذلك كان دأبهم على ما نعلمه ويعلمه كثير منا لكنه لا يؤثر في واقعنا؛ فكلنا نعلم قصة ربيعة بن كعب رضي الله عنه لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن أمنيته ليدعو له بها، فقال: «أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: ليس إلا هو، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود»، فلم يكن رضي الله عنه يدع قيام الليل بعد ذلك وهو في الرابعة عشرة من عمره. وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه كما في صحيح البخاري جاء إليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «ألم أخبر أنك تصلي فلا تنام، وتصوم فلا تفطر، وتقرأ القرآن في كل ليلة؟ قال: نعم يا رسول الله»، هذا الخبر بلغ النبي عليه الصلاة والسلام عن حال عبد الله بن عمرو وهو الشاب الذي كان في مقتبل العمر، فكان يصلي فلا ينام، يصوم فلا يفطر، ويقرأ القرآن في كل يوم، حتى رده النبي عليه الصلاة والسلام إلى الاعتدال، وذكر له صيام يوم وإفطار يوم، وأن ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه الأخير، وأن يختم القرآن في خمس، أو في سبع كما في بعض الروايات.

إن هذا الوقت الذي يفرغ فيه الإنسان أو الشاب من هذا الارتباط بالدراسة أو التحصيل وغير ذلك، ينبغي أن يقابله هذا الاستثمار في العبادة والطاعة. كثير من الشباب لا يجدون – كما يقولون – وقتاً لتلاوة القرآن وذكر الله عزَّ وجلَّ في أوقات الدراسة، أفليس جديراً بهم أن يقرؤوا جزءاً من القرآن في أول نهارهم، وجزءاً في آخر يومهم، أو أكثر من ذلك كما كان شباب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يفعلون؟ أين المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى المساجد والصلوات؟ أين هذا الذي كان يُترك بعضه أو كثير منه بحجة الانشغال بالدارسة والتفرغ لها؟ فما بالنا نشكو هذه الشكاوى المزعومة، وندعي هذه الدعاوى الموهومة، ثم إذا جاء الوقت وحانت الفرصة لم نجد الصورة الصادقة لهذه الدعوى.

 

إهمال الثقافة والقراءة

وينصح الدكتور بادحدح الشباب باستثمار الوقت في مجال القراءة والإطلاع لتحصيل مزيد من العلم، أو التهيؤ للعام القادم، أو مراجعة ما مضى من التحصيل، أو في زيادة في أبواب من الفهم والعلم يميل إليها الشاب أو الشابة، وليس كما يعتقد أو يفعل كثير من هؤلاء الشباب أنه لا ينبغي ألا يكون خلال هذه المدة الطويلة في الإجازة الصيفية أي قراءة ولا اطلاع، ولا كتاب، ولا مقال. وكأن الإنسان إنما جعل له هذا الوقت ليبدده من غير فائدة، ونحن نعلم ما كان من سلفنا رضوان الله عليهم كيف نقلوا لنا سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، كيف نقلوا لنا القرآن الكريم، كيف نقلوا لنا هذه الثروة الهائلة من العلوم الإسلامية، والمؤلفات الضخمة، حيث لم يكن أحدهم ينام ملء عينيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويطمئن إلى الدنيا، وينشغل باللهو والعبث، بل كانوا على جد وعمل. فهذا ابن عقيل الحنبلي يقول: إنه لا يترك لحظةً إلا وهو ينشغل بقراءة، فإن لم يكن فبكتابة، فإن تعب تمدد وشغل فكره في مسألة من المسائل، وكان بعض السلف وبعض علماء الأمة من أمثال إمام الحرمين الجويني لا ينام إلا مغلوباً، فليس له وقت في النوم، وإنما يقرأ ويطالع ويدرس ويعمل، حتى يرهق فينام، فإذا نام نومةً قصيرةً كانت أو طويلة استيقظ وواصل عمله. جد ودأب واستثمار واستغلال، فما بالنا نحن في هذه الظروف اليسيرة التي هيأ الله فيها أسباباً من النعم كثيرة، نفرط مثل هذا التفريط، وندع مثل هذه الفرص دون اغتنام.

 

الفراغ وتنمية المهارات

ويوجه الدكتور بادحدح إلى بعض مجالات استثمار كسب العمل.. ومن ذلك التدرب على المهن.. مؤكِّداً الفرص التي تتاح في هذا الوقت للشباب، لماذا لا تستغل في العمل والجد وتحمل المسؤولية؟ لماذا يبقى شبابنا حتى التخرج من الجامعة وهو لا يزال غير قادر على تحمل المسؤولية؟ ألم يكن من صحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم من قاد الجيوش وهو في السابعة عشرة من عمره؟ ألم يكن منهم من تولى الإمارة، ومن عمل أعمالاً وقام بمهمات عظام، كمهمة نقل القرآن وكتابته التي قام بها زيد بن ثابت وهو شاب غض طري، فلماذا لا نعوِّد أبناءنا على تحمل المسؤولية؟ ولم يعيشون على كد آبائهم فحسب دون أن يتهيؤوا لحمل المسؤولية والقيام بالعمل؟ لقد كان عمر بن الخطاب ينظر إلى الرجل فتعجبه عبادته وطاعته، فيسأل عن عمله ونفقته، فيقال له: إنه لا عمل له، وإن أخاه أو أباه ينفق عليه، فيسقط من عينه؛ لأن الإنسان بلا عمل وبلا مسؤولية وبلا مهمة لا قيمة له، كيف يعيش بغير كدح في الحياة واستثمار لها، وأخذ بالأسباب التي تعينه على طاعة الله عزَّ وجلَّ فيها. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أكل ابن آدم طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده»، ونعلم توجيهه عليه الصلاة والسلام للرجل الذي جاءه يسأله فأعطاه، ثم جاء يسأله فأعطاه، ثم قال له: «أليس عندك من مال؟ قال: لا إلا قصعةً وكذا، قال: فأتني بهما، فنادى بهما النبي صلى الله عليه وسلم للبيع فبيعا بدرهمين، فقال: كل بدرهم واشتر بدرهم فأساً أو قدوماً، ثم اذهب فاحتطب، فذهب فعمل فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام»، وبيَّن أن شرف العمل وقيمته في هذا الدين الإتقان فيه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، لا بد أن نستغل هذا الوقت لنشغل أبناءنا وفتياتنا بما يعود عليهم بالفائدة والنفع. ونحن نعلم أن هناك فرصاً من العمل تتاح للطلبة على وجه الخصوص ليشغلوا أوقاتهم، وليكتسبوا بعض الخبرات، ولكن أيضاً هناك بطالة مقنعة، بعضهم يأخذ أعمالاً أو وظائف لمجرد أن يأخذ بعض الأموال دون أن تكون هناك مهمة ولا عمل ولا اكتساب لخبرة، هذا أيضاً نوع ليس مرغوباً فيه. ونجد أيضاً فرصاً أخرى تتيحها معاهد التدريب المهني للتدرب في مجال الكهرباء أو الميكانيكا أو غير ذلك من الأمور النافعة التي تجعل الإنسان عنده مهنة تدفع عنه الفقر إن شاء الله عزَّ وجلَّ، وهذا أمر متاح معروف، وقد رأيت له إعلانات كثيرة تدعو الشباب إلى أن يشتركوا في مثل هذه الدورات المجانية بغير مقابل، فاذهبوا وانظروا مدى الإقبال عليها، فإنكم واجدون حالةً تحتاج إلى إعادة نظر. وهناك فرص أخرى كثيرة ينبغي أن تستثمر؛ لأجل العمل، ولأجل تحمل المسؤولية، ومن ذلك المراكز الصيفية التي تجمع بين كثير من المنافع: في استغلال الأوقات، والدفع والتشجيع على العبادة والطاعات، وزيادة العلم والثقافة، واكتساب المهارة، وغير ذلك. والرسول عليه الصلاة والسلام قد بيَّن لنا أنه: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم»، وأخبر عن نفسه أنه كان يرعاها لأهل مكة على قراريط، ليبيِّن لنا شرف العمل. وكان علماؤنا منهم الفرّاء، ومنهم الخيّاط، ومنهم البزّار، ألقابهم تدل على مهنهم، فإنهم اشتغلوا بالعمل وبالعلم، وتحملوا المسؤولية، فينبغي لنا أن نلغي هذه الصورة من ترك العمل والعلم، خاصةً في صفوف أبنائنا وشبابنا.

مجلة الدعوة

العدد : 2249 الخميس 14 رجب 1431هـ

 


 
ارسل لصديق | طباعة

» التاريخ :
30/07/1431 


اقرأ ايضا
فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان في حوار مع الحسبة
الدكتور توفيق السديري في حوار مع الحسبة
فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح آل الشيخ في حوار مع الحسبة
معالي الشيخ صالح الفوزان في حوار مع الحسبة
مهندس مشروع الجودة د. حسين القرشي في حوار مع الحسبة
رئيس مركز هيئة البقيع
حوار مع وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
الملتقى الأول لأقسام الدعوة والحسبة في الجامعات السعودية
حوار «مجلة الحسبة» مع فضيلة مدير عام فرع الرئاسة بمنطقة مكة المكرمة
المسلسلات المدبلجة...