من عوامل نجاح الدعوة

 

الرياض- د.عقيل العقيل

الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ من أفضل الأعمال وأشرفها، وهي سبيل المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجه ]قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ [يوسف: 108].

ولا بد للداعية إلى الله أن يتزود بالعلم الشرعي ليسلم له طريقه ويستطيع إقناع غيره ولا بد أن يعرف حال المدعوين ومدى فهمهم لما يقول لتؤتي دعوته ثمارها يانعة.. حول الدعوة والهموم الدعوية التقينا فضيلة الشيخ د./محمد الأمين بن خطري أحمد الطالب مدير عام فرع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمدينة المنورة، فكان الحوار التالي:

* لعلكم أن تتحدثوا في البداية عن حكم الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ وفضلها؟

- الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة واجبة على المسلمين قال تعالى: ]وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ [آل عمران: 104].

وقال سبحانه: ]ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ[ [النحل: 125].

وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: « بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره على أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم » .

ولقد جاء في فضل الدعوة إلى الله آيات وأحاديث كثيرة، لا تخفى على أهل العلم ولا على طلابه، ومن ذلك قوله جلَّ  جلاله: ]وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ [فصلت: 33]، فهذه الآية الكريمة فيها ثناء بليغ للدعوة إلى الله، وأنه لا أحد أحسن قولاً منهم، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم أتباعهم على حسب مراتبهم في الدعوة والعلم والفضل، فيكفيك شرفاً أن تكون من أتباع الرسل، ومن المنتظمين في هذه الآية الكريمة، ومعنى هذه الآية: لا أحد أحسن قولاً منه؛ لكونه دعا إلى الله وأرشد إليه وعمل بما يدعو إليه، يعني: دعا إلى الحق وعمل به، وأنكر الباطل وحذَّر منه، وتركه، ومع ذلك صرح بما هو عليه، لم يخجل بل قال: إنني من المسلمين، مغتبطاً وفرحاً بما منَّ الله به عليه، وليس كمن يستنكف عن ذلك ويكره أن ينطق بأنه مسلم، أو بأنه يدعو إلى الإسلام، لمراعاة فلان أو مجاملة فلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل المؤمن الداعي إلى الله القوي الإيمان، البصير بأمر الله يصرح بحق الله، وينشط في الدعوة إلى الله ويعمل بما يدعو إليه، ويحذر ما ينهى عنه، فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه، ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه، ومع ذلك يصرح بأنه مسلم وبأنه يدعو إلى الإسلام، ويغتبط بذلك ويفرح به كما قال جلَّ جلاله: ]قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [ [يونس: 58].

فالفرح برحمة الله وفضله فرح الاغتباط، فرح السرور، أمر مشروع، أما الفرح المنهي عنه فهو فرح الكبر، والفرح هذا هو المنهي منه كما قال عزَّ وجلَّ في قصة قارون: ]لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ[ [القصص: 76].

هذا فرح الكبر والتعالي على الناس والتعاظم، وهذا هو الذي ينهى عنه.

أما فرح الاغتباط والسرور بدين الله، والفرح بهداية الله، والاستبشار بذلك والتصريح بذلك ليعلم، فأمر مشروع وممدوح ومحمود، فهذه الآية الكريمة من أوضح الآيات في الدلالة على فضل الدعوة، وأنها من أهم القربات، ومن أفضل الطاعات، وأن أهلها في غاية من الشرف وفي أرفع مكانة، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأكملهم في ذلك خاتمهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: ]قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي[ [يوسف: 108]، فبين سبحانه أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو على بصيرة، وأن  أتباعه كذلك، فهذا فيه فضل الدعوة، وأن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم الدعاة إلى سبيله على بصيرة، والبصيرة هي العلم بما يدعو إليه وما ينهى عنه، وفي هذا شرف لهم وتفضيل، وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: « من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله »رواه مسلم في الصحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً »أخرجه مسلم أيضاً، وهذا يدل على فضل الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، وصح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قال لعلي: « فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم » متفق على صحته، وهذا أيضاً يدلنا على فضل الدعوة إلى الله وما فيها من الخير العظيم، وأن الداعي إلى الله جلَّ وعلا يعطى مثل أجور من هداه الله على يديه، ولو كانوا آلاف الملايين، وتعطى أيها الداعية مثل أجورهم، فهنيئاً لك أيها الداعية إلى الله بهذا الخير العظيم، وبهذا يتضح أيضاً أن الرسول عليه الصلاة والسلام يعطى مثل أجور أتباعه، فيا لها من نعمة عظيمة يعطى نبينا عليه الصلاة والسلام مثل أجور أتباعه إلى يوم القيامة، لأنهم بلغهم رسالة الله، ودلهم على الخير عليه  الصلاة والسلام، وهكذا الرسل يعطون مثل أجور أتباعهم عليهم الصلاة والسلام، وأنت كذلك أيها الداعية في كل زمان تعطى مثل أجور أتباعك والقابلين لدعوتك، فاغتنم هذا الخير العظيم وسارع إليه.

كيفية الدعوة وأسلوبها

* ما هي كيفية الدعوة إلى الله عزَّ وجلّ وما الأسلوب الأمثل فيها؟

- كيفية الدعوة بيَّنها الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم، وفيما جاء في سنّة نبيه عليه الصلاة والسلام، ومن أوضح ذلك قوله جلَّ وعلا: ]ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[ [النحل: 125].

فأوضح سبحانه الكيفية التي ينبغي أن يتصف بها الداعية ويسلكها، يبدأ أولاً بالحكمة، والمراد بها: الأدلة المقنعة الواضحة الكاشفة للحق، والداحضة للباطل؛ ولهذا قال بعض المفسرين: المعنى: بالقرآن؛ لأنه الحكمة العظيمة؛ لأن فيه البيان والإيضاح للحق بأكمل وجه، وقال بعضهم: معناه: بالأدلة من الكتاب والسنَّة.

وبكل حال، فالحكمة كلمة عظيمة، معناها: الدعوة إلى الله بالعلم والبصيرة، والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق، والمبينة له، وهي كلمة مشتركة تطلق على معان كثيرة، تطلق على النبوة، وعلى العلم والفقه في الدين، وعلى العقل، وعلى الورع، وعلى أشياء أخرى، وهي في الأصل كما قال الشوكاني رحمه الله: الأمر الذي يمنع عن السفه، هذه هي الحكمة، والمعنى: أن كل كلمة وكل مقالة تردعك عن السفه، وتزجرك عن الباطل فهي حكمة، وهكذا كل مقال واضح صريح، صحيح في نفسه، فهو حكمة، فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة، وهكذا السنَّة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله، وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم، كما في قوله جلَّ وعلا: ]وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[، يعني: السنَّة، وكما في قوله: ]يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً[ [البقرة: 269].

فالأدلة الواضحة تسمى حكمة، والكلام الواضح المصيب للحق يسمى حكمة، ومن ذلك الحكمة التي تكون في فم الفرس: وهي بفتح الحاء والكاف، سميت بذلك؛ لأنها تمنع الفرس من المضي في السير، إذا جذبها صاحبها بهذه الحكمة.

الحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل، وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به، والوقوف عند الحد الذي حده الله عزَّ وجلَّ.

فعلى الداعية إلى الله عزَّ وجلَّ أن يدعو بالحكمة، ويبدأ بها، ويعنى بها، فإذا كان المدعو عنده بعض الجفا والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة، بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب، فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن، ولا تغلظ عليه، بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تعنف، بل تجتهد في كشف الشبهة، وإيضاح الأدلة بالأسلوب الحسن، هكذا ينبغي لك أيها الداعية أن تتحمل وتصبر ولا تشدد؛ لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو، وصبره على المجادلة والمناقشة، وقد أمر الله جلَّ وعلا موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون أن يقولا له قولاً ليناً وهو أطغى الطغاة، قال الله جلَّ وعلا في أمره لموسى وهارون: ]فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[ [طه: 44]، وقال الله سبحانه في نبيه محمد عليه الصلاة والسلام: ]فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ[ [آل عمران: 159].

فعلم بذلك أن الأسلوب الحكيم والطريق المستقيم في الدعوة أن يكون الداعي حكيماً في الدعوة، بصيراً بأسلوبها، لا يعجل ولا يعنف، بل يدعو بالحكمة، وهي المقال الواضح المصيب للحق من الآيات والأحاديث، وبالموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لك في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، أما الدعوة بالجهل فهذا يضر ولا ينفع، كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله عند ذكر أخلاق الدعاة؛ لأن الدعوة مع الجهل بالأدلة قول على الله بغير علم، وهكذا الدعوة بالعنف والشدة ضررها أكثر.

وإنما الواجب والمشروع هو الأخذ بما بيَّنه الله عزَّ وجلَّ في سورة النحل، وهو قوله سبحانه: ]ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ[. إلا إذا ظهر من المدعو العناد والظلم، فلا مانع من الإغلاظ عليه، كما قاال الله سبحانه: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ[، وقال تعالى: ]وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ[.

مراعاة حال المدعوين

* ما مدى أهمية مراعاة الداعية لحال المدعوين المستمعين لدعوته؟

- ما يخص المستمعين للداعية، فعلى الداعية أن يراعي المستمعين، فينزل الناس منازلهم، وهذا من عوامل نجاح الدعوة، فمن كان من أهل المكانة والوجاهة أنزله المنزلة التي تليق به، ومن كان شيخاً للقبيلة أنزله منزله، وهكذا.

ومن أراد أن يسوي بين الناس في دعوته فسيبوء بالفشل لا محالة.

فلقد روى مسلم في مقدمة صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم”

وفي سنن أبي داود من طريق ميمون بن أبي شيب أن عائشة – رضي الله عنها – مر بها سائل فأعطته كسرة خبز ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنزلوا الناس منازلهم » الحديثان مختلف في صحتهما، فمن أهل العلم من يقول إنهما منقطعان ومنهم من يجعلهما متصلين.

قال الحافظ النووي – رحمه الله – كما في شرحه لصحيح مسلم: ومن فوائده: تفاضل الناس في الحقوق على حسب منازلهم ومراتبهم، وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتب كتاباً إلى ملك أو غيره أنزله منزلته، فمن ذلك مثلاً “من محمد بن عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم”

وكذلك يجب على الداعية أن يراعي مستوى المستمعين له في دعوته من حيث العلم والثقافة، والسن، والعادات.

فمعرفة أحوال المخاطبين من ألزم الأمور التي تلزم الداعية والخطيب، ليكون على علم بما يحرك عواطفهم، ويؤثر في نفوسهم.

والداعية بحكم معايشته للناس، ومخالطته لهم أقدر على معرفة مستوياتهم الثقافية، والاجتماعية، ومعرفة عاداتهم وتقاليدهم، وما الذي يوقظ مشاعرهم وأحاسيسهم، ويثير حماستهم وغيرتهم.

فمن المعلوم أن الناس لا يخاطبون جميعاً بأسلوب واحد على اختلاف عقولهم وقدراتهم، وتنوع ثقافاتهم وأحوالهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن: « إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله…»(متفق عليه).

فقد بيَّن له صلى الله عليه وسلم حال المدعوين، فهم أهل كتاب، وليسوا مشركين أو وثنيين، فينبغي أن يفرق في أسلوب خطابهم بينهم وبين عبدة الأوثان الذين لا يتفقون معه في شيء من أصول العقيدة، أو أساسيات الإيمان، ثم أخبره بأهم ما يبدأ به في دعوة هؤلاء.

قال البخاري رحمه الله: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا، وقال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله (البخاري).

وتأمل قول علي رضي الله عنه: أتحبون أن يكذب الله ورسوله، فإن من لا يحسن خطاب الناس بما يفهمونه ويعونه، كأنما يدفعهم بأسلوبه إلى تكذيب الله تعالى، وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يظن أنه يقيم عليه الحجة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في شرح كلام علي رضي الله عنه: “بما يعرفون” أي: يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له: “ودعوا ما ينكرون” أي: يشتبه عليهم فهمه، وكذا رواه أبونعيم في المستخرج.

وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود رضي الله عنه: “ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة” رواه مسلم.

وقال: وممن كره التحديث ببعض دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك – رحمه الله – في أحاديث الصفات، وأبو يوسف – رحمه الله – في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة رضي الله عنه، ونحوه عن حذيفة رضي الله عنه، وعن الحسن – رحمه الله – أنه أنكر تحديث أنس رضي الله عنه للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.

وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي بدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب.

وعن عروة بن الزبير رضي الله عنه: “ما حدثت أحداً بشيء من العلم قط لم يبلغه عقله إلا كان ضلالاً عليه”، وعن أبي قلابة: “لا تحدث بحديث من لا يعرفه، فإن من لا يعرفه يضره ولا ينفعه” (رواهما ابن عبدالبر في جامع بيان العلم).

وقد قال الله تعالى: ]وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ[[العنكبوت: 43].

قال ابن جرير – رحمه الله – في تفسيره: وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التي نضربها للناس منهم الصواب والحق فيما ضربت له مثلاً إلا العالمون بالله وآياته.

ومن هنا فإنه ليس كل ما يعلم يصلح أن يقال في أي  حال، فلكل مقام مقال، وما يخاطب به فئة العوام غير ما يخاطب به المثقفون، وما يخاطب به الشباب غير ما يخاطب به الكهول، وما يتكلم به في مناسبة الجهاد، غير ما يتكلم به في مناسبة العرس والزواج، فعلى الخطيب أن يكون ذا نظرة ثاقبة للأمور، يحسن تقدير الظروف، وقياس المؤثرات والطبائع.

وفي الصحيح عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: « تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟..»الحديث إلى أن قال: « قلت: يا رسول الله، أفلا أبشّر الناس؟ قال: لا تبشّرهم فيتكلوا»ونحوه قد وقع لعمر رضي الله عنه مع أبي هريرة رضي الله عنه.

إذاً فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث بعض خاصته، ونهى معاذاً رضي الله أن يخبر به عامة الأصحاب لئلا يتكلوا فيتركوا العمل، ولم يخش هذا على معاذ رضي الله عنه، وأبي هريرة رضي الله عنه.

فلا بد من مراعاة نوعية الخطاب، ونوعية المخاطب، أو نوعية العلم، ونوعية المتلقي لهذا العلم.

قال الشاطبي – رحمه الله -: “ومنه ألا يذكر للمبتدي من العلم ما هو حظ المنتهي، بل يربي بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها إن كانت صحيحة في نظر الفقه”

قال: “ومن ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه، وحكم التشريعات، إن كان لها علل صحيحة، وحكم مستقيمة، ولذلك أنكرت عائشة – رضي الله عنها – على من قالت: لِم تَقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ وقالت لها: أحرورية أنت؟

وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغاً وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خبالاً وفتنة، وإن كان صحيحاً.

وقد أخبر مالك – رحمه الله – عن نفسه أن عنده أحاديث وعلماً ما تكلم فيها، ولاحدث بها”

وقال: “وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فأعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية.

وكلام الشاطبي – رحمه الله – وإن كان بالنسبة للكلام على الفرق فهو يصلح أن يكون قاعدة للواعظ، والخطيب، والمعلم، وغيرهم.

وقد قال: ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره.. فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص”

وقال أيضاً في كتاب الاعتصام: “ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه، فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها، وهو الغالب، وهو فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، والعمل بالباطل، وإما ألا يفهم منها شيئاً وهو أسلم، ولكن المتحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون، بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله.

وينبغي أن يدرك الداعية أن الجمهور متنوع الثقافة، متعدد العادات والطبائع، مختلف الأعمار بين الشاب المتوقد الحماس والكهل الذي عركته الحياة، وصقلته التجارب”

فلا يجعل خطابه لفئة دون أخرى، ولا يوجه اهتمامه بفئة من فئات الحضور دون أخرى، كأن يجعل الحديث موجهاً في جملته لرجال الأعمال مثلاً، أو لفئة الأطباء مثلاً دون غيرهم، أو لفئة التجار دون غيرهم، وكما أن جمهوره متنوع الثقافة فإن خطبته ينبغي أن تكون متنوعة المستوى والخطاب.

 

مجلة الدعوة

العدد : 2244 الأحد 11 جمادى الثانية 1431

 

 


 
ارسل لصديق | طباعة

» التاريخ :
13/06/1431 


اقرأ ايضا
فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان في حوار مع الحسبة
الدكتور توفيق السديري في حوار مع الحسبة
فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح آل الشيخ في حوار مع الحسبة
معالي الشيخ صالح الفوزان في حوار مع الحسبة
مهندس مشروع الجودة د. حسين القرشي في حوار مع الحسبة
رئيس مركز هيئة البقيع
حوار مع وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
الملتقى الأول لأقسام الدعوة والحسبة في الجامعات السعودية
حوار «مجلة الحسبة» مع فضيلة مدير عام فرع الرئاسة بمنطقة مكة المكرمة
المسلسلات المدبلجة...