الاحتساب في الأوساط النسائية . . مسؤولية من ؟ !

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الدين ، وشعيرة من شعائره ، ودعامة من الدعائم الأساسية للإسلام ، به تتحقق الخيرية للأمة ، وتصان الأعراض ، ويستتب الأمن والأمان ، ويعم المعروف وكراهية المنكر ، وهو عامل من عوامل الإصلاح والصلاح في المجتمع ، به يعلو الحق ويندحر الباطل ، ومن خلاله يقوم المعوج ويصلح الفاسد .

والمتتبع لما يحدث في بعض قصور الأفراح ، أو الحفلات التي تقام في بعض الاستراحات ، والاجتماعات النسائية يلاحظ أن هناك من يحاول الخروج عن السلوك القويم ، وارتكاب المنكرات ، بالغناء والرقص وإثارة الفوضى ، ومن يتابع صور المعاملات من العاقين لأمهاتهم وآبائهم ، والتحرش بهم وإنكار فضلهم ، ومن يشاهد صور الانهيار الأسري وارتفاع نسبة الطلاق وتشرد الأبناء بزواج الأب من أخرى والأم من زوج آخر ، يدرك تمامًا أن هناك خللًا في المنظومة القيمية ، وضعفا في الوازع الديني ، وتفشي الأنانية وحب الذات ، وعدم الاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة ، أو الابن لأبيه وأمه ، أو الأخ لأخيه .

في هذا التحقيق نكشف صورًا عدة للمنكرات في الأفراح ، وما يجري داخل صالات الأفراح من هرج ومرج وخروج عن الشرع والدين والقيم ، ونتعرض لصور العقوق داخل المنازل ، وتفكك الأسر بسبب الابتعاد عن الله ، عز وجل ، والانسياق وراء المادة ، فكيف نعيد للمنازل أمنها واستقرارها ؟ وكيف نحقق السعادة في الأفراح دون مخالفات ومنكرات ، ليبدأ الزوجان حياتهما الجديدة على تقوى من الله ، وليبارك الله لهما وفيهما ويجمع بينهما في خير ؟ وكيف نحول المجالس النسائية من جلسات للنميمة والغيبة ، وذكر الآخرين بما يكرهون ؟ وكيف نعزز الثقة بين الأب وأبنائه ؟

 

مدرستي لا أنساها ! 

تقول " ع م " ( طالبة في الصف الثاني الثانوي ) :

" إن مدرستي في المرحلة الإعدادية التي كانت تدرس في العلوم الشرعية ، لن أنساها مدى حياتي ؛ فقد كانت محببة إلى نفوسنا جميعًا ، تسدي لنا النصح والإرشاد باللين ، وتتقرب إلينا بإعطائنا الكتيبات والأشرطة الدعوية التي تناقش مشاكلنا ؛ لذا نلجأ إليها ونسر لها بما في نفوسنا ؛ فنجد الحل ، وكانت دائمًا تقول لنا : المعروف هو الذي يبقى ، أما المنكرات فهي طريق المهالك .

 

 منكرات الأفراح !

وتقول ( أ . س ) : " ذهبت إلى أحد الأفراح لحضور عرس قريبة لي ، وإذا بي أجد صور المنكرات والعري تطغى على الحفل ، الحقيقة تملكني الحزن الشديد على حالنا ، وما وصلنا إليه . . وتساءلت : هل بهذه المنكرات تكون الأفراح ؟ ! اتصلت بزوجي وقلت له : أريد الخروج والعودة إلى المنزل ؛ فطلب مني الصبر ، حتى لا يثير خروجنا حفيظة الأقارب ؛ فقلت له : أنا لا احتمل ، قال : هل تستطيعين قول ولو كلمة لإحدى الحاضرات ؟ فيتغير هذا الفعل وبذلك تكونين قد فعلت معروفًا ، حاولت بهدوء ولكن من الواضح أنني كنت في جانب ، والأخريات في جانب آخر .

وأما الأخت ( خ . ز ) - مديرة مدرسة - ؛ فتروي قصة فيها صور للمخالفات الشرعية في مدرستها وكيف استطاعت ببعض الجهد وبالنية الخالصة لوجهه تعالى أن تقلب الصورة الطرف النقيض فتقول : " في حجرة المعلمات لاحظت نفورًا بين كل معلمة وأختها ، وهناك من تعرض عن الأخرى ، بل إذا خرجت أو غابت إحداهن لظرف ما ، ذكرت بما تكره ؛ فالأجواء غير مشجعة . . لا تآلف ولا تحاب ولا سؤال عمن يقع لها شيء عارض " .

وتضيف ( خ . ز ) قائلة : " رفضت هذا الوضع ، وبدأت تدريجيا في الإصلاح ، بدعوة المعلمات إلى القهوة في مكتبي ، ثم بدأت دعوة كل معلمة على انفراد ، وأثني على دورها المتميز وأخلاقها وسلوكها وهكذا لزميلاتها ، فأحضرت مجموعة من الأشرطة والكتب التي تتحدث عن الأخلاق والالتزام وصفات المسلم ، ووزعتها عليهن ، وكنت أتمنى الفرصة لإلقاء نصيحة عامة في الإذاعة المدرسية ، أو كلمة قصيرة في المسجد ، وإذا غابت معلمة أبادر بالسؤال عنها وأسأل زميلاتها هل سألن عنها أم لا ، لاحظ الجميع أن الأمر يتغير ، وبدأت النفوس تهدأ ، ومن الله علينا أن أصبحنا جميعًا كأننا أسرة واحدة ، وهذا درس لكل واحدة منا ، عليها أن تعمل وفق استطاعتها وفي حدود صلاحياتها ؛ لأن الأمر بالمعروف شعيرة من شعائر هذا الدين " . 

 

ليس عبئًا ....

د . عائشة الذبياني : تأتي أهمية النهي عن المنكر من مسؤولية الفرد وحق المجتمع عليه . 

من جانبها تقول الدكتورة عائشة الذبياني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الأوامر الربانية ، ومن أروع الأمور التي تظهر روح البناء الواحد في المجتمع الإسلامي ؛ فإن وجود الخطر في دار غير دارك لا يعني أنه لن يصل إليك ، وحتى إن كنت متأكدًا أنه لن يصل إليك ؛ فلا شك أنه يؤلمك حدوثه ؛ لأنه يطول أخا لك في دينك ، ويأتي الأمر الإلهي بالأمر بالمعروف ليجعل كل فرد في المجتمع الإسلامي قريبًا من أهله وجيرانه وأبناء وطنه ، يحثهم على الخير ، حيث يتعدى فضله الفرد والعائلة الصغيرة إلى المجتمع الإسلامي بأسره ، كالعطر . . ما إن تفتح زجاجته حتى ينتشر أريجه في طبقات الجو ؛ فيشعر به كل من يمر به ، وكذلك جاءت الحكمة الإلهية في استنفار الجميع للنهي عن المنكر حتى يتحقق قول الرسول صلى الله عليه وسلم :  إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى  ، فإن أي خلل موجود في المجتمع الإسلامي سوف يستفحل أمره إن لم يعالج في حينه ، وإلا سوف يسبب الألم والإزعاج إلى بقية الأفراد حتى وإن لم يقعوا في هذا المنكر ، وتأتي أهمية النهي عن المنكر من مسؤولية الفرد وحق المجتمع عليه بالنصيحة ؛ فقد يكون من أتى المنكر جاهلًا ، لم يجد له راعيًا ومؤدبًا منذ نعومة أظفاره من المشايخ أو المعلمين أو الجيران ، وقد يكون ضالا ينفعه الله بكلمة طيبة ، وقد يكون مهملًا لم ير له مكانة ولا تقديرًا في عيون الآخرين ؛ فقرر أن يلفت انتباههم ويقول : هلموا أنا هنا ، وفي هذا الوقت صار أغلب من حول الشباب يقذف بحمم من المنكرات لا يجد لها الشاب ولا الشابة سواتر دينية أو أخلاقية أو نفسية تمنع من الانزلاق فيها ، فكيف إن تغافل عنها العقلاء ولم يبذلوا طاقاتهم لإيقاف هذه الحمم ومنعها من الفتك بشباب الأمة ؛ لذلك على كل عاقل أن يبذل ما في وسعه لإيقاف هذه الحمم وحماية شباب الأمة من الفتك بهم ؛ لذلك على كل من يتحمل مسؤولية الشباب ( صغارًا كانوا أم كبارًا ) أن يصلح الخلل باتباع منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ، وباتباع وسائل جديدة يقبل عليها الشباب في هذا الوقت ، بعد أن يتسلح بالعلم الصحيح والطرق الحديثة المشوقة إلى وصول هذا العلم إلى عقول وقلوب الناس ؛ لأن تهيئة الأجواء النفسية السليمة في المدارس والكليات والجامعات مجتمع الشباب ، وبناء جسور الاتصال بين الشباب والدعاة والمربين ، ومن ثم الدعوة إلى هذا الدين الحق الرائع بترك المنكرات وزيادة الطاعات وصهر الأفراد في بوتقة الواجب الديني الواحد الذي يجمعنا سويا على الهدف السامي الذي نعمل له جميعًا .

وقالت الدكتورة الذبياني : هنالك من يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبء ثقيل أو أنه واجب ومسؤولية لجهة معينة ، ويتناسى أنه واجب يشارك به جميع المسلمين ، فإن كانت هناك جهة مكلفة فإنها لا تستطيع دخول البيوت ، ولا المدارس ولا الجامعات ؛ لأن المكان دائمًا محصور في الأماكن العامة ، ومن قال إنها عبء ثقيل فذلك إنسان جاهل يريد الحصاد قبل بذر الحب وسقيه والعناية به ، فلو كان كما يجب لكان أمرنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمن لديهم بستان كبير ؛ فمنهم من يحرث ومنهم من يغرس ومنهم من يسقي ومنهم من يعتني بالنبات الصغير ويكافح الحشرات ، حتى إذا صار موعد الحصاد تشارك الجميع في قطف الثمار ، لكل منهم دور مكمل للآخر ، ولكل منهم نصيب من الثمرة ، في كل مكان وفي كل زمان ، اغتنموا وبادروا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإخلاص والثقة بالله ، فإنه لن يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى .

 

الواقع العجيب . . . 

د . أميرة الصاعدي : البعض في الأوساط النسائية تحولن إلى دمى تحركهن بيوت الأزياء الغربية 

أما عن واقع الأوساط النسائية وما يحدث في المجالس وقصور الأفراح من منكرات ولهو واتباع للهوى وتقليد الكفار . . فتقول الدكتورة أميرة الصاعدي : " إن المتطلع إلى واقع الوسط النسائي يرى عجبًا ، ويسمع هولًا ويدهش من تدني مستوى الوعي بحقيقة الحال ، ونتيجة المآل .

منكرات يتبع بعضها بعضًا ، وتجاوزات شاعت وانتشرت ، ومخالفات أصبحت مألوفة من كثرة مرتكبيها وقلة منكريها .

وبنظرة سريعة لصور هذه المنكرات ، يمكن تلخيصها فيما يلي :

أولًا : تأثر بالمدنية الغربية ، وانسياق خلف بيوت الأزياء العالمية ؛ فأنتج ذلك لباسًا غير لائق ، وحياء غائبًا ، وحجابًا فاتنًا ، فظهرت في أوساط النساء دمى متحركة ، بقلوب متغربة ، وعقول مقلدة ، لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا .

ثانيًا : إعراض عن ذكر الله ، وبعد عن هدي رسول الله ، واتباع للهوى والشهوات ، ما أفرز لنا جيلًا يتشرب الشبهات ، ولا يتحرز من المتشبهات ، ويتتبع الرخص وزلات العلماء ؛ فبرزت لنا طائفة متأرجحة مترددة ، لا أصل عندها ثابت ، ولا قرار لها صائب .

ثالثًا : تمرد على الثوابت وتطبيق لتحرر المرأة ، وانطلاقها من دائرة دينها ، وانفلاتها من حدود ربها .

رابعًا : تساهل في تطبيق ما جاء به الشارع من أوامر وما فيها من مصلحة خالصة أو راجحة ، وتعرض لما نهى عنه الشارع من نواهٍ مصلحتها خالصة أو راجحة .

خامسًا : ضياع للأوقات وهدر للأموال ، يتمثل في الإدمان على التسوق ، وارتياد المطاعم والملاهي والمتنزهات المختلطة ، مع تبرج ظاهر ، أما عن إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل الأسرة ، فترجع الدكتورة أميرة الصاعدي الأمر إلى عدة أسباب هي :

أولًا : جهل حقيقة المنكر والأثر المترتب على فعله . وعدم الوعي بما يؤول إليه الحال عند عدم الإنكار .

ثانيًا : كثرة التلبس بهذه المنكرات وعدم التواصي بإنكارها ؛ فكثرة الإمساس تقل الإحساس .

ثالثًا : الخوف من ردة فعل المنكر عليهم ، وعدم احتساب الأجر في الإنكار مع الصبر على الأذى في سبيل ذلك .

رابعًا : قلة العلم الشرعي وضعف الحجة وإقامة الدليل على أهل الباطل .

 

المرأة المسلمة 

د . أسماء السويلم : المؤامرة التي تتهدد المرأة المسلمة تهدف إلى تذويب شخصيتها من خلال تغيير القدوة  .

د . ابتسام القرني : بالأمر بالمعروف يصلح الفرد وتصلح الأسرة  .

أما الدكتورة أسماء السويلم فتنظر إلى الأمر من منظور عام وشامل ، وترى أن المرأة المسلمة مستهدفة في دينها وعقيدتها وبيتها وملابسها التي ترتديها ، وحتى في الأشياء التي تتزين بها داخل منزلها ، وتقول د . أسماء السويلم : " إن الناظر في المنكرات المنتشرة في المجتمع النسائي يرى حقيقة امتهان المرأة المسلمة ، بأنها ليست منكرات في اللباس وفي الأفراح فقط ، أو انتهاكا للمحرمات ، بل للموضوع جانب آخر ، إذ هي مؤامرة تحاك ضد المجتمع المسلم ، وتستهدف المرأة بشكل خاص ، تهدف إلى تحقيق أمور عدة :

أولًا : تخريب المرأة المسلمة في الداخل والخارج ، تخريبها في لباسها وشكلها الظاهر وتخريبها في أفكارها وثقافتها .

ثانيًا : نشر المادية النفعية بين المسلمين ؛ مما يضعف الإيمان بالغيب من جهة ، ويوجد فصلا بين الحياة وبين الدين في الواقع التطبيقي ؛ فنجد المسلم والمسلمة وهما يؤديان واجبات الصلاة وغيرها من العبادات ثم نراهما يرتكبان ما حرم الله من الربا والتبرج والسفور وغير ذلك من المعاصي ، دون ربط أو اعتبار بتلازم أداء الواجبات مع ترك المحرمات .

ثالثًا : محاولة تذويب الهوية الإسلامية الأصيلة في الشخصية الغربية ، فتتغير القدوات وتستبدل القدوات الإسلامية الصالحة بالقدوات الغربية من نجوم الإعلام المزعومة ؛ فيتحول هم المرأة وهدفها الذي تسعى لتحقيقه مشابهة فلانة في شكلها ولباسها وتسريحة شعرها .

وشددت الدكتورة السويلم على إنها هجمة شرسة تسعى إلى طي الفضيلة ونشر المنكر والرذيلة ، بل إلى تغيير الفكر وتعديل السلوك المسلم وفق معايير غربية فوضوية ، همها إشباع الرغبات وتحصيل الملذات دون النظر لموافقتها لشريعة رب العالمين ، وهذا كفيل بإضعاف الأمة الإسلامية واحتلالها فكريًا وثقافيًا .

وفي ذات السياق تؤكد الدكتورة ابتسام بنت عائض القرني خطورة إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن من أهم أسس سلامة المجتمعات القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . وتقول : " إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل مهم من أصول قيام شريعة الله ، قال ابن العربي عنه : " أصل من أصول الدين وهو فرض على جميع الناس مثنى وفرادى بشرط القدرة عليه " ، والمرأة كالرجل ، مطالبة بالدعوة إلى الله لدخولها في عموم النصوص الدالة على فرضية الحسبة ، كقوله تعالى : سورة آل عمران الآية 104 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ  ولمخاطبتها بذلك في قوله تعالى : سورة التوبة الآية 71 وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ  فبالأمر بالمعروف يصلح الفرد وتصلح الأسرة ، ومن ثم ينشأ مجتمع متحاب ومتعاون ومتكافل .

ودعوة المرأة أساسية ، حيث إن لها أثرًا كبيرًا في بناء المجتمع والحفاظ عليه ، وتتأكد أهمية قيامها بهذا الواجب في الأوساط النسائية الخاصة بهن ، كالمدارس ودور تحفيظ القرآن والمخيمات الدعوية والجهات النسائية ، وخاصة مع شيوع مظاهر التغريب .

وقالت القرني : ولو أهمل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو طوي بساطه في الوسط النسائي ؛ لاضمحلت الديانة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة ، واستشرى الفساد بين صفوف النساء ؛ لكثرة وسائل الإفساد الموجهة للمرأة مع خطورة دور المرأة في صيانة المجتمعات وبناء الأجيال .

ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري ، الأضرار الخطيرة التي تصيب الأمة بسبب إهمال القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ففيه :  فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا ، وإن أخذوا على أيدهم نجوا ونجوا جميعًا  ، فالحديث يشير إلى أن هلاك المجتمعات نتيجة حتمية لترك أصحاب المنكرات يفسدون في الأرض مع عدم الأخذ على أيديهم ، كما أشار إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حياة المجتمعات وسلامتها والتهاون به يهوي بالسفينة ومن فيها ، كما وردت نصوص من السنة ، تشير إلى أن التخلي عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب إصابة الأمة بالعذاب العام واستحقاق اللعنة .

وأضافت : ولعل من الآثار السلبية للتقصير في حق الدعوة إلى الله في الأوساط النسائية ، على سبيل المثال ، تفشي الكثير من التجاوزات الممنوعة شرعًا في لباس النساء وحجابهن ، وإنفاق الأموال الباهظة في الزينة ، حتى بلغ إجمالي قيمة الواردات للسعودية من مستحضرات التجميل في عام واحد أكثر من 800 ) مليون ريال ) ! ! وإقامة الحفلات المتنوعة وما يصاحب ذلك من منكرات ومعاص وتبذير ، وهناك أيضًا أمور عظام تهوي بالسفينة مثل انتشار ظواهر عقوق الوالدين والإعجاب والعلاقات المحرمة والاختلاط وسوء استخدام التقنيات الحديثة كالنت والمحمول وغيرها ، ولا تخفى النتائج المدمرة على تفشي مثل هذه الظواهر في انحلال المجتمعات وإهدار مقدرات الأمة والتفكك الأسري والإخلال بالأمن والاستقرار ، مثل مظاهر الخطف والاغتصاب وتفشي الأمراض ونحوها ؛ لأن صلاح المرأة واستقامتها مطلب ضروري لصلاح المجتمعات . 

 

الدور الشرعي 

وعن الدور الشرعي الذي تطالب به المرأة من واقع الحديث الشريف :  من رأى منكم منكرًا . .  الحديث تحدثت الدكتورة سعاد بابقي باستفاضة حول هذا المحور ؛ فقالت : إن مما لا يخفى على أحد كثرة المخالفات الشرعية في الأوساط النسائية على اختلافها سواء أكانت في البيت أم في العمل ، في الطرقات أم في الأسواق ، في المدارس أم في المنتزهات ، في بيوت الأفراح أم في أوقات الأحزان والأتراح ، حتى طالت أماكن العبادات .

وأضافت : فعلى تفاوت تلك المخالفات ما بين صغيرة وكبيرة ووسط بين الأمرين ، فمن تبرج في الأسواق وتميع في الحديث والمشية مع الأجانب من الرجال وإقامة العلاقات المشبوهة ، وعري في اللباس يملأ قاعات الأفراح إلى بدع في العزاء ، بل وفي العبادات كتخصيص ليلة النصف من شعبان بالقيام ، وكذب في الحديث ومجالس يملؤها القيل والقال ، إلى الغيبة والنميمة والتسلي بهتك الأعراض وتناقل الأخبار ، والإسراف في إنفاق الأموال فيما قد يكون وبالًا على صاحبه يوم الحساب ، وتضييع للعبادات .

وأردفت : بل لا أكون مبالغة إن قلت إن نسبة المخالفة في الأوساط النسائية أضعاف ما يوجد في أوساط الرجال ؛ مما يكشف الخلل الكبير في تطبيق قوله صلى الله عليه وسلم :  من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان  . وفي رواية  وليس بعد ذلك من الإيمان حبة خردل  نعم ؛ فلو طبق هذا الحديث تطبيقًا صحيحًا لتقلصت تلك المعاصي إن لم تختف تمامًا ، ولعل السبب في وقوع ذلك الخلل عدة أمور أجملها فيما يلي :

- شعور كثير من أهل الطاعة والخير بالدونية والضعف إن وجدن في أوساط مخالفة فيغلبهن الحياء من الكلام والنصح والتوجيه ويلذن بالصمت ونسيت تلك أنها العزيزة لا غيرها ، قال تعالى : سورة المنافقون الآية 8 وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  وأن الحق أبلج والباطل لجلج فمتى نطق الحق خرس الباطل ، ولكن أنبه هنا على أن ذلك لا يعني في المقابل احتقار أهل المعاصي وازدراءهم ؛ فتلك النظرة آفة الدعوة ، فما تلك العاصية إلا فتاة محبة لربها ولنبيها أصابها مرض القلوب فضعفت تحت سياط الشهوات والفتن وتمكن منها فيروس العصيان فهي كالمريضة أحوج ما تكون منا إلى احتوائها بالحب والشفقة وإعطائها مزيد العناية والاهتمام لتقوى على مقاومة المرض والتغلب عليه ومن ثم القضاء على مسبباته قضاءً تاما لتكمل مسيرتها في الحياة سليمة القلب والجوارح معافاة .

- التسويف : فكثير من النساء يرين أنه من غير المناسب المبادرة بالإنكار خاصة إذا كانت تلتقي بالمخالفة للمرة الأولى ، وتعتقد أن الأولى أن تبدأ بعقد صداقة معها وتوطيد العلاقة بها حتى إذا جاء النصح بعد ذلك وجد القبول ، وتغفل عن أمور أخرى أهم منها وهي أنه قد لا يكتب لها اللقاء بها مرة أخرى إما لوفاة أحد الطرفين أو لعدم تيسر اجتماعهما ثانية فتفوت فرصة نصحها ورجوعها إلى الحق وتوبتها . ثم إنه لا يلزم الداعية أو الناصحة أن تعقد صداقة مع من تدعوها أولا وإنما يكفي أن تسلك سبيل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وتغتنم أي فرصة تسنح لها لممارسة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل في طريق سفره للراحة فيمر به أعرابي ماض في طريقه فيناديه :  إلى أين يا أعرابي ؟  فيجيبه : متجه إلى مكان كذا " ؛ فيقول له :  أو خير لك من ذلك ؟  يخاطبه بهذا الأسلوب الجميل الذي يمنحه الخيار في السماع وعدمه مع تشويقه وترغيبه في السماع بتصدير الكلام بالخير الذي تسعى النفوس جميعًا إلى تحصيله ، ثم تأكيد ذلك التشويق بالجزم بأن ما سيسمعه هو خير مما هو ماض لأجله ، فلما قبل الأعرابي هذا العرض الجميل دعاه مباشرة إلى عبادة الله وحده ، فكان القبول والإذعان السريع .

- اعتقاد بعضهن أنه لا بد أن تكون ملمة بجميع أمور الدين فقيهة فيها لتمارس الدعوة والنصح وإلا فلا ، وهذا من تلبيس الشيطان عليهن ، فإن الإنسان إذا علم مسألة من الدين وجب عليه النصح والتوجيه فيما يعلم ولا يلزمه الخوض فيما يجهل ، ولو مارس كل منا هذه الوظائف فيما يعلمه لشملت الجهود جميع المخالفات إذ ما تجهله هذه تعلمه تلك .

- من النساء من يقعدها عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كونها لم تسلم من المعاصي فترى أنها مقصرة في جوانب ومخالفة في أمور ؛ فكيف تقول ما لا تفعل ؟ ! وهذه في الواقع غفلت عن مسألة مهمة وهي أنها بفعلها هذا قد جمعت معصية إلى معصية ، فالأولى ما قارفته من المعاصي ، والمعصية الثانية تركها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والواجب في حقها ما يلي :

أ / أن تبادر في نفسها بالتوبة مما هي عليه والاستغفار والرجوع إلى الله وطلب الستر منه عز وجل .

ب / أن تبادر إلى نصح الآخرين وتوجيههم بصدق كما لو أنها تعاتب نفسها وتنصح نفسها عن تلك المخالفات .

جـ / تجعل تلك الدعوة التي مارستها حافزًا لها للتخلص من المعاصي والإقبال على الله والتزام طريق التوبة .

وأشارت الدكتورة بابقي إلى أن من النساء من تقول : لا أحسن العبارة في الدعوة فقد أفسد بكلامي وعبارتي أكثر مما أصلح ، وقالت : ومثل هذه لا تعذر من الدعوة والنصح ، بل عليها أن تدرب نفسها على حسن الحديث ولطيف العبارة ، وليست العبرة بكثرة الكلام والتشدق فيه بقدر ما هو صدق في النصح وإخلاص في النية ، وإيجاز في العبارة يقع موقعه من القلب ، فإن ما خرج من القلب ولج القلب لا محالة ، وإن لم تستطع فبإمكانها الدعوة عبر توزيع البطاقات الدعوية والمطويات والكتيبات التي تتناسب مع ما تريد النصح فيه فتؤدي هذه الشعيرة بأمان ولو سطرت عليها عبارة إهداء لكان أدعى إلى القبول .

وبينت أن من النساء من تحجم عن ممارسة هذه الشعيرة خوفًا من أن تلقى هجومًا عنيفًا من الطرف الآخر سواء باللسان أو بالجوارح فتشتري السلامة بالسكوت ، وهنا أهمس في أذنها أينا أشرف وأكرم على الله عز وجل ؟ أنبياؤه ورسله أم نحن ؟ فإن كان أشرف الخلق وسيد ولد آدم تعرض لصنوف الأذى والشتم ألا نحتسب عند الله أن نتقلد وسام الأذى في سبيل الله ، ونأتسي بالقدوة الشريفة سيد الأنام ؟ ولنكن كعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي رد الجوار لينعم بشرف الأذى في سبيل الله .

كما أوضحت أن من النساء من تقول : أشكال أولئك العاصيات المخالفات ممن استحوذ عليهن الشيطان ، فماذا عسى نصحي أن يفعل فيهن ؟ فمثلهن لا فائدة من نصحهن ، وردت على ذلك بقولها : لو كان الأمر كما تقولين لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقد قيل لن يسلم حتى يسلم حمار آل الخطاب تعجيزًا لوقوعه ، فما لبث أن أسلم ، بل وأصبح عزًا ومنعة للإسلام والمسلمين فلم ينفك من أسر الشيطان فحسب بل أصبح الشيطان يفر منه ويسلك غير الفج الذي يسلكه ، ثم إن الإسلام علمنا أن لا نحكم على الظواهر ، وأن العبرة بالخواتيم .

وأضافت : هناك أمر مهم جدًّا وهو أننا متعبدون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس بإدخال الإيمان والتوبة والهدى سويداء القلوب ، قال تعالى : سورة القصص الآية 56 إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ثم إن الواجب علينا إبراء الذمة والإعذار إلى الله بامتثال أمره في تطبيق هذه الشعيرة وإن غلب علينا الظن بعدم قبولهم للنصح ؛ قال تعالى : سورة الأعراف الآية 164 وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  ومنهن من تقول : علي بنفسي أصلحها ولا شأن لي بغيري ، فقد قال تعالى : سورة المائدة الآية 105 عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  . وقال صلى الله عليه وسلم :  من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه  . وهؤلاء أقول لهن : لقد فهمتن النصوص على غير موضعها ؛ فالله سبحانه هو القائل : سورة آل عمران الآية 104 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ  والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب لنا المثل بأصحاب السفينة ، والآية كما قال أبو بكر : لم يأت زمانها بعد ، وأما الحديث فإنما هو في أمور الدنيا لا أمور الدين ، فإن الله تعالى جاء في الحديث أنه يأمر الملك بإنزال العذاب على العصاة فيقول : يا رب إن فيهم عبدًا صالحًا . فيقول عز من قائل : " فبه فابدؤوا إنه لم يتمعر وجهه غضبا لي " . وقد جاء في الحديث الصحيح :  لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه  . ولا شك أن كل واحد منا يحب لنفسه الخير والإقلاع عن المعاصي والرجوع إلى الله وأن ييسر الله له من يأخذ بيده فيخرجه من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة فلتقم كل واحدة منا نفسها مكان تلك العاصية المخالفة ولتنظر ما الذي تتمناه لنفسها في تلك الحال ؟ أن تُترك في العمى والضلال ، أو أن تُنصح وتُوجه إلى طريق الهدى والحق والنور ؟ فإذا ما حددت ما تتمناه وتحبه لنفسها فلتقم به حيال أختها .

وحذرت من الاعتقاد بأنه قد اتسع الخرق على الراقع وتفشت المعاصي وفسد الزمان وألا طاقة لأحد بإصلاح الأحوال فالعمر قصير والأوقات محدودة والطريق الأمثل هو الاعتزال والابتعاد ، فما عسى أن تصنع واحدة مقابل الآلاف ، وقالت : إن المعاصي بدأت بفعل واحد ثم كثر مقلدوه حتى استشرت ، ولو قامت كل واحدة منا بدورها في الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهدى الله بها الواحدة والاثنتين لبلغ عدد من أصلحهم الله على أيدينا الآلاف ، ثم ليست العبرة بكثرة المستجيبين ، بل العبرة بأداء حق الله في تطبيق هذه الشعيرة ، فهاهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم صفوة الخلق الذين قاموا بواجب الدعوة خير قيام ؛ قال عنهم صلى الله عليه وسلم :  رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان ، ورأيت النبي وليس معه أحد  . وحسب الواحدة منا أن تخرج من هذه الدنيا وقد هدى الله على يديها نفسًا واحدة ، ويا له من إنجاز ، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه يوم خيبر :  لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم  . وقد قالوا : رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة ، وما تم بناء إلا بضم طوبة إلى أخرى وما تكون جبل إلا من تراكم حجر مع آخر .

 

المخالفات والعلاقات   

د . سعاد بابقي : على الداعيات اغتنام أي فرصة لممارسة شعيرة الأمر بالمعروف بين النساء 

وتضيف د . سعاد قائلة : وقد غلبت المجاملة على الصداقات والعلاقات الاجتماعية مما يدفع الكثيرات إلى السكوت عما ترى من مخالفات حفاظًا على هذه العلاقة أن تهدم وعلى تلك الأواصر أن تنقطع ، ونسيت أن من وصلت الحبل بينها وبين الله ، وصل الله الحبل الذي بينها وبين الناس ، وما قويت علاقة ودامت إلى ما بعد الموت إلا بأن تبنى على تقوى الله : سورة الزخرف الآية 67 الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ  . ومن صدق الأخوة والصداقة أن أذكر من نسيت وأرشد من ضلت وأشد من أزر من تابت ، وأعين من تبحث عن الحق وسعت لتصل إليه .

وأردفت : هذه بعض مظاهر الخلل التي أعطبت سفينة النجاة وحالت دونها ودون المضي بمن فيها إلى بر الأمان ، وإذا عرفنا هذا أدركنا أنه لا تعذر امرأة ولا فتاة عن واجب النصح في محيطها ووفق إمكاناتها وبما تيسر لها فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، ومجالها رحب فسيح سواء داخل الأسرة بين الوالدين والإخوة والأبناء ، أم في المدرسة والجامعات بين الأستاذات والموظفات والطالبات والعاملات ، أم في التجمعات والزيارات والأفراح بين أصحاب الدار والزوار ، أم في المستشفيات والأسواق بين الأطباء وطاقم التمريض والمرضى والمراجعات ، أو بين الباعة والمتسوقات ، بل حتى داخل الحرمين ودور التحفيظ والعبادات ، فكم نرى فيها من لا تحسن الوضوء أو الصلاة ، وكم وقفنا في الحرمين على من تتعبد الله بالبدع والخزعبلات ، وليس من واجب ذلك أن ترتكب المرأة المحظور لأداء هذه الشعيرة ؛ فالبعض من النساء قد تقدم على الخلوة مع السائق في مختلف الأوقات من ليل ونهار لإلقاء درس هنا وموعظة هناك ، والمشاركة في حفل ونحوه فتقع في محظور مؤكد لأجل مصلحة مظنونة ، بل قد تتجاوز ذلك بالسفر بلا محرم ونحو ذلك من المخالفات فتصلح الخطأ بارتكاب خطأ لعله يكون أعظم ، لذا يجب أن نستحضر دائمًا مراتب النصح والإنكار فمن تيسر لها التغيير باليد تعين في حقها كالمسؤولة في مؤسسة تعليمية ونحوها ، وربة الأسرة مع أبنائها وخادمتها والأب مع أفراد أسرته ، والمعلمة مع طالباتها وهكذا ومن خرج الأمر عن يدها تعين في حقها التغيير باللسان فإن تعذر فالإنكار بالقلب .

 

ثمار دانية ...  

د . خيرية موسى : الأمر بالمعروف أساس سلامة المجتمعات وبقائها وتطورها 

وحول ثمار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقول الدكتورة خيرية عمر موسى إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الشعائر التي فرضها الشارع ، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم :  من رأى منكم منكرًا فليغيره . . . .  الحديث ، وقد أجزل الباري سبحانه وتعالى لفاعله المثوبة والأجر العظيم ويتجلى عظم هذا الأجر في تنوع ثمار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي من أهمها ما يلي :

1- النجاح والفلاح في الآخرة ؛ قال تعالى : سورة آل عمران الآية 104 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  . وما ذاك إلا لأنه حال كونه آمرًا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، مصلحًا لنفسه ومصلحًا لغيره بأقواله وأفعاله الداعية للاقتداء به .

2- النجاة من الهلاك حين نزول العذاب بالمخالفين لأمر الله ؛ قال تعالى : سورة الأعراف الآية 165 أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ

وقد وردت هذه الآية في معرض قصة أصحاب السبت من بني إسرائيل ؛ حيث قال ابن كثير - رحمه الله - : " يخبر تعالى عن أهل هذه القرية إنهم صاروا إلى ثلاث فرق ، فرقة ارتكبت

المحذور وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة : سورة الأعراف الآية 164 لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا  أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم ؟ ! فنص الباري على نجاة الفرقة التي نهت عن المنكر كما جاء في الآية السالفة الذكر ونص أيضًا على هلاك الظالمين وسكت عن الساكتين ؛ لأن الجزاء من جنس العمل فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحوا ولا ارتكبوا عظيمًا فيذموا ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم هل كانوا من الهالكين أو الناجين . ويؤيد هذا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :  مثل المداهن في حقوق الله تعالى والواقع فيها والقائم عليها كمثل ثلاثة رجال كانوا في سفينة فاقتسموا منازلهم وصار لأحدهم أعلاها ولأحدهم أوسطها ولأحدهم أسفلها فبينما هم كذلك إذ أخذ أحدهم القدوم فقالوا له : ما تريد ؟ قال : أخرق في مكاني خرقًا فيكون الماء أقرب إلي ويكون مخلاتي ومهراق دمائي . فقال بعضهم : اتركوه أبعده الله يخرق في حقه ما شاء ، وقال بعضهم : لا تدعوه يخرقها فيهلكنا ويهلك نفسه فإن هم أخذوا على يديه نجا ونجوا وإن هم لم يأخذوا على يديه هلكوا وهلك  .

3- رفع الحرج والإثم عن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر المخالط للعصاة متى أدى ما عليه من واجب الإنكار ، ويتبين هذا من قوله تعالى : سورة المائدة الآية 105 لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  وما جاء في تفسير الآية من أقوال السلف يؤكد هذا .

4- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مظنة إجابة الدعاء ، ويتبين هذا من مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم :  والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشك أن يبعث الله عليكم عقابًا من عنده ثم تدعونه فلا يستجيب لكم  . فإذا كان ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مانعًا من إجابة الدعوة بلا شك أن زواله يؤهل الآمر بالمعروف لأن يكون مجاب الدعوة متى زالت الموانع الأخرى .

5- الاستقامة والثبات على الحق الذي يأمر به وينهى عنه ؛ ويتجلى هذا في قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام : سورة هود الآية 88 وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ  . بل يعد الترهيب من مخالفة الآمر لقوله أو العمل بنقيضه بنحو ما جاء في قوله تعالى : سورة الصف الآية 2 لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ  . أكبر محفز على الاستقامة ومراقبة الظاهر والباطن .

6- التعود على ضبط النفس والتحلي بالصبر ، فلا يخلو طريق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من بعض الصفات والعوائق الداخلية والخارجية التي تستلزم مجاهدة النفس أو موافقة الشيطان أو الحلم على جلافة المدعو ، ولهذا قال لقمان لابنه وهو يعظه بنحو ما حكاه الباري عنه : سورة لقمان الآية 17 وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ  .

7- استحقاق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الثناء العاطر من رب العالمين ، ويظهر هذا من قوله تعالى : سورة آل عمران الآية 110 كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

ومن قوله صلى الله عليه وسلم :  إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير ؛ فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه  .

8- ظهور روح المحبة المفضية إلى تماسك المجتمع الإسلامي ؛ وهذا الذي يشير إليه قوله تعالى : سورة التوبة الآية 71 وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

ويؤيد هذا ما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : أفضل الأعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمن أمر بالمعروف فقد شد ظهر المؤمن .

وهكذا نرى كيف أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهمية بالغة ؛ بل إنه أساس سلامة المجتمعات وبقائها وتطورها ومواصلتها البناء ، حيث إن القيم والمبادئ التي حض ديننا الحنيف على الالتزام بها تشكل الضامن الحقيقي والأساسي لاستمرار الأمة في مسيرة البناء والتطور ؛ إذ ليس من منكرات تنغص العيش وتقض مضاجع المؤمنين المطمئنين الذين لا يشغلهم عن عباداتهم التي يشكل العمل والبناء ورعاية المصالح أحد أشكالها شاغل ، إذ كيف لشاغل أن يشغلهم والحب والتكافل والتضامن والتآزر ديدن الجميع بفضل الفضيلة المحروسة والمصانة بالضوابط الشرعية المرعية ؟ ! فليبارك الله تعالى بالحسبة والقائمين عليها وأبقى الله الحسبة في أمتنا وشد أزر القائمين عليها حفظًا لسلامة وأمان المجتمعات المسلمة .

 

 

 

 


 
ارسل لصديق | طباعة

» التاريخ :
21/03/1431 


اقرأ ايضا
فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان في حوار مع الحسبة
الدكتور توفيق السديري في حوار مع الحسبة
فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح آل الشيخ في حوار مع الحسبة
معالي الشيخ صالح الفوزان في حوار مع الحسبة
مهندس مشروع الجودة د. حسين القرشي في حوار مع الحسبة
رئيس مركز هيئة البقيع
حوار مع وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
الملتقى الأول لأقسام الدعوة والحسبة في الجامعات السعودية
حوار «مجلة الحسبة» مع فضيلة مدير عام فرع الرئاسة بمنطقة مكة المكرمة
المسلسلات المدبلجة...