حوار: معالي الشيخ / صالح بن فوازان الفوازان

أشاد معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بوجود جهاز للحسبة بالمملكة ويلقى العناية والدعم من قبل ولاة الأمر حفظهم الله ، مبينا في حوار مع مجلة الحسبة أهمية أن يكون في الدولة المسلمة جهاز خاص من العلماء وأهل القوة والغيرة ، ويعطون الصلاحيات الكافية والإمكانيات المناسبة ، كما هو موجود في هذه المملكة العربية السعودية من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي نرجو من الله أن يعينها على القيام بواجبها وأن يوفق ولاة الأمور لمساعدتها ومساندتها .

وأضاف : إنها لميزة عظيمة لحكومتنا الرشيدة وفقها الله ، حيث كونت هذا الجهاز الهام ومنحته الإمكانات اللازمة حتى يقوم بواجبه ، مشيراً إلى أن هذا من أعظم أسباب النصر والتمكين في الأرض وحصول الأمن والاستقرار .

وأكد أهمية تجسير الصلة بين الشباب والعلماء . وقال إذا حصل انفصال بين العلماء وبين الشباب ، وحصل الخطر العظيم ، لأن الشباب إذا انفصلوا عن علمائهم ، تولاهم دعاة السوء وحرفوهم عن الحق، كالذئب يحاول فصل القاصية من الغنم عن الراعي من أجل أن يعبث بها ، وأشار في حوار مع الحسبة إلى ثقته بعلمائنا . ( تفاصيل أخرى تجدونها في نص الحوار ) :

 

معالي الشيخ .. كمدخل للحوار .. يا ترى من المسؤول عن تغير المنكر؟ وكيف يمكن ضبط هذه المسؤولية؟

- إنكار المنكر بالقلب مسؤول عنه كل مسلم، ومن لم ينكر المنكر بقلبه فليس بمسلم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : «فمن لم يستطع ، فبقلبه ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» [رواه مسلم في صحيحه ( 1/69،70 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] أما إنكاره باليد أو باللسان ، فإنما يجب على من يقدر على ذلك من الولاة والعلماء وغيرهم من المسلمين إذا لم يترتب على ذلك حصول منكر أشد، أما الإنكار بالقلب ، فلا يعجز عنه أحد ولا يعذر فيه أحد .
ويمكن ضبط هذه المسؤولية العظيمة بأن يوكل القيام بها لمن فيه الكفاءة من أهل العلم والدين والغيرة، بأن يكون في الدولة جهاز خاص من العلماء وأهل القوة والغيرة ويعطون الصلاحيات الكافية والإمكانيات المناسبة، كما هو موجود في هذه المملكة العربية السعودية من هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي نرجو من الله أن يعينها على القيام بواجبها ، وأن يوفق ولاة الأمور لمساعدتها ومساندتها وإنها لميزة عظيمة لحكومتنا الرشيدة وفقها الله، حيث كونت هذا الجهاز الهام، ومنحته الإمكانيات اللازمة حتى يقوم بواجبه، فإن هذا من أعظم أسباب النصر والتمكين في الأرض وحصول الأمن والاستقرار .

قال الله تعالى ]ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[ .

كما حصر الله الفلاح على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون[ فإذا قامت جهة خاصة بهذا الأمر كما ينبغي، انضبط خير انضباط وحصل المقصود .

 

وما سبيلنا لإحياء معاني الانتماء للإسلام وسط هذه الغربة؟
- سبيلنا هو التمسك بالدين بعد تمامه ومعرفته والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه كما قال تعالى
]والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر[ فهي أربع درجات : العلم ثم العمل ثم الدعوة إليه ثم الصبر على الأذى فيه .

 

هل لكم يا فضيلة الشيخ أن تبينوا لنا علاقة الشباب بالعلماء وما الذي ينبغي أن يكونوا عليه، لأنه يوجد من ينتقص من علمائنا الكبار ويختار دعاة الشباب؟

- هذا خطر عظيم ، إذا حصل انفصال بين العلماء وبين الشباب، حصل الخطر العظيم، لأن الشباب إذا انفصلوا عن علمائهم، تولاهم دعاة السوء وحرفوهم عن الحق، كالذئب يحاول فصل الغنم عن الراعي من أجل أن يعبث بها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» [ رواه الإمام أحمد في مسنده (5/196) ورواه أبو داود في سننه (1/147) ورواه النسائي في سننه ( 106 ،107 ) كلهم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ، بدون ذكر ( من الغنم ) ] فالتي تخرج عن جماعتنا وعن منهجنا هذه يأكلها الذئب، والذئب هنا من دعاة السوء.

فعلى شباب المسلمين أن يرتبطوا بعلمائهم وعلماء هذه البلاد – ولا نزكي على الله أحد – الذي نعلم من حالهم أنهم من خيرة الناس وأنهم من أصلح الناس ولله الحمد، لأنهم نشؤوا على عقيدة سليمة، وتعلموا من مشايخهم علماً صحيحاً، تفقهوا في دين الله على يد علمائهم، وعلمائهم تفقهوا على من قبلهم وهكذا .. الخط ماش ولله الحمد، فلا تزهدوا في علماء هذه البلاد .

وجربتم الفرق بين علماء هذه البلاد وبين غيرها، أنا لا أنتقص العلماء الآخرين، ولكن أقول: علماؤنا معروفين لدينا، نثق بهم ونعرف من أين تعلموا ومن أين أخذوا العلم وأين نشؤوا، فهم معروفون لدينا، أما غيرهم من العلماء الآخرين، فلا نطعن فيهم، ولكن نقول : نحن لا نعرف من أين أخذوا العلم ، ولا نعرف من أين تعلموا ، لا نعرف مستواهم العلمي ، لا نعرف مقاصدهم ونياتهم، فنحن نتوقف في أمرهم وفي شأنهم ، لا نطعن فيهم ولا نسارع في الثقة بهم من غير معرفة .

أنتم تعرفون منهج رواة الحديث : إذا كان الراوي مجهولاً لا تعرف حالته : توقفوا عن الرواية عنه، لأنهم لا يريدون أن يغامروا ويمنحوا الثقة لكل أحد، من يعرفون ومن لا يعرفون .

هذا دين، والدين لا بد أن يؤخذ عن توثق وعن يقين وعن معرفة وعن بصيرة، وعلماء هذه البلاد حسب علمنا بهم أنهم ولله الحمد من خيرة العلماء، ما قصروا في تعليمنا وفي توجيهنا وفي إرشادنا، فلماذا يرخصون علينا، ونزهد فيهم، ونلتمس العلم عند غيرهم، ونلتمس التوجيه من غيرهم؟ هذا خطأ عظيم.

 

ما هي توجيهات فضيلتكم لبعض شباب الصحوة الذين يستعجلون في ممارسة الدعوة وإصدار الفتاوى بغير علم؟

- لا شك أن الدعوة إلى الله تعالى واجبة على من عنده الاستطاعة للقيام بها عملياً وبدنياً وعقلياً ، ومن لا يستطيع القيام بالدعوة، فإنه يدعو للمسلمين بالتوفيق والنصر، وإن كان ذا مال، فإنه يساعد على الدعوة بماله، من طبع الكتب، وتوزيعها، وإعانة الدعاة إلى الله .

وأما الفتوى، فإنها منصب خطير لا يجوز الإقدام عليه، إلا ممن هو مؤهل بالعلم الذي تلقاه عن ثقات العلماء، ولا يفتي إلا عند الضرورة، إذا لم يوجد من هو أعلم منه.

 

الدين النصيحة ، والنصيحة أصل من أصول الإسلام ومع هذا نجد بعض الإشكال فيما يتعلق بمعنى النصيحة لولاة الأمر، وحدودها، وكيف تبذل؟ وكيف يتدرج؟ ومن أبرز الإشكالات تلك المتعلقة بالتغيير باليد، هل لكم في إيضاح هذه المسألة؟

- النبي صلى الله عليه وسلم وضَّح هذا وقال «الدين النصيحة»قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ( 1/74 ) من حديث تميم الداري رضي الله عنه )

النصيحة لأئمة المسلمين تكون بطاعتهم بالمعروف، وتكون بالدعاء لهم، وبيان الطريق الصحيح لهم، وتبين الأخطاء التي قد تقع منهم مباشرة من أجل تجنبها، وتكون النصيحة لهم سرية بينهم وبين الناصح، وتكون أيضاً بالقيام بالأعمال التي كلونها إلى موظفيهم وإلى من تحت أيديهم بأن يؤدوا أعمالهم بأمانة وإخلاص، هذا من النصيحة لولي أمر المسلمين .

وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من رأى منكم منكراً، فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» [ رواه الإمام مسلم في صحيحه (1/69) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] .

ومعنى ذلك أن المسلمين على ثلاثة أقسام :

القسم الأول : من عنده علم والسلطة، فهذا يغير المنكر بيده، وذلك مثل ولاة الأمور ومثل رجال الهيئات والحسبة الذين نصبهم ولي الأمر للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هؤلاء يغيرون بأيديهم بالطريقة الحكيمة المشروعة.
وهناك من عنده علم، وليس عنده سلطة، فهذا يغير بلسانه، بأن يبين للناس حطم الحلال والحرام، والمعروف والمنكر، ويأمر وينهى، ويرشد ويعظ وينصح، هذا من الإنكار باللسان.
وهناك من ليس عنده علم، وليس عنده سلطة، ولكنه مسلم فهذا عليه أن ينكر المنكر بقلبه، بأن يكره المنكر على أهل المنكر ويبعد نفسه عن الاجتماع بأهل المنكر، لئلا يؤثروا عليه، هذه هي درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

يفهم كثير نم الشباب اليوم معنى قوله تعلى : ]ولا يخافون لومة لائم[ أنهم الذين يذكرون أخطاء الحكام على المنابر وأمام الملأ وفي الأشرطة المسجلة، ويحصرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك أيضاً، نرجو توجيه هؤلاء هداهم الله إلى السلوك الصحيح، وتوضيح المعنى الصحيح لهذه الآية، وبيان حكم أولئك الذين يتكلمون في الحكام علنا.

- يقول سبحانه وتعالى: ] يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم[ الآية في كل من قال كلمة الحق، وجاهد في سبيل الله، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، طاعة لله تعالى، ولم يترك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من أجل الناس أو من خشية الناس، فإن هذا هو الملوم.

ولكن قضية النصيحة والدعوة إلى الله كما قال الله تعالى: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن[ ، والله سبحانه وتعالى قال لموسى وهارون لما أرسلهم إلى فرعون ]فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى[ ، وقال تعالى في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ]فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك[.

فالنصيحة للحكام تكون بالطرق الكفيلة بوصولها إليهم من غير أن يصاحبها تشهير أو يصاحبها استنفار لعقول الناس السذج والدهماء من الناس، والنصيحة تكون سراً بين الناصح وبين ولي الأمر : إما بالمشافهة، وإما بالكتابة له ، وإما أن يتصل به ويبين له هذه الأمور، ويكون ذلك بالرفق، ويكون ذلك بالأدب المطلوب.

أما الإنكار على الولاة على المنابر وفي المحاضرات العامة، فهذه ليست بالنصيحة، وإنما تشهير، وهذا زرع للفتنة والعداوة بين الحكام وشعوبها ، وهذا يترتب عليه أضرار كبيرة، قد يتسلط الولاة على أهل العلم على الدعاة بسبب هذه الأفعال، فهذه تفرز من الشرور ومن المحاذير أكثر مما يظن فيها من الخير.

فلو رأيت على شخص عادي ملاحظة، أو وقع في مخالفة، ثم قلت على الملأ: فلان عمل كذا وكذا! لاعتبر هذا من الفضيحة وليس من النصيحة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة» [رواه الإمام البخاري في صحيحة (3/98)من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه] وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله أن ينبه على شيء، لا يخص قوماً بأعيانهم، بل يقول : «ما بال أقوام بفعلون كذا وكذا» لأن التصريح بالأسماء يفسد أكثر مما يصلح، بل ربما لا يكون فيه صلاح، بل فيه مضاعفة سيئة على الفرد وعلى الجماعة.

طريق النصيحة معروف، وأهل النصيحة الذين يقومون بها لا بد أن يكونوا على مستوىً من العلم والمعرفة والإدراك والمقارنة بين المضار والمصالح والنظر في العواقب .

ربما يكون إنكار المنكر منكراً، كما قال ذلك شيخ الإسلام رحمه الله وذلك إذا أنكر المنكر بطريقة غير شرعية، فإن الإنكار نفسه يكون منكراً، لما يولد من الفساد، وكذلك النصيحة ربما نسميها فضيحة ولا نسميها نصيحة، نسميها تشهيراً نسميها إثارة، ونسميها زيادة شر وفتنة، إذا جاءت بغير الطريق الشرعي المأمور به.

 

ما رأي معاليكم فيما يثار من البعض على أعضاء الهيئات بأنهم يخرجون عن القاعدة القرآنية التي تقول ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة[ ما تعليق فضيلتكم على ذلك؟

- الذين يعملون في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خيرة رجال الأمة، وقد أسند إليهم هذا الأمر عن اقتناع المسؤولين بصلاحيتهم، وما يقال عنهم من تجاوزات ليس بصحيح في الغالب، وإنما يقصد به التشويه وإلقاء العراقيل في طريقهم، فلا يجوز أن نصغي إليه ونصدقه، وإن صح منه شيء بحكم أنهم بشر، فلا يجوز أن نتخذه سبيلاً لانتقاصهم، فهم كما يقول الشاعر:

ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها

               كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

أو كما قال الآخر :
أقِلوا عليهم لا أبا لأبيكم

            من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

 

فالواجب علينا أن نتعاون معهم وأن نشجعهم ونناصرهم، عملاً بقوله تعالى ]وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب[ فهم الذين ينهون عن الفساد في الأرض.

 

وما رأي فضيلتكم في ذلك التراشق المكتوب والمسموع الذي حدث بين بعض العلماء؟ وألا ترون أن جلوسهم للحوار كان أجدى؟ وأن ذلك ربما أفسد مشاريعهم الإسلامية؟

- العلماء المعتبرون لم يحصل بينهم شيء مما ذكر في السؤال، وإنما الذي يمكن حدوثه من ذلك هو بين بعض المتعلمين والشباب المتحمسين، ونسأل الله لهم الهداية والتوفيق، وندعوهم إلى ترك هذا العمل المشين، والتآخي فيما بينهم على البر والتقوى، والرجوع إلى أهل العلم فيما أشكل عليهم، وعليهم بدراسة منهج أهل السنة والجماعة على أيدي العلماء، حتى يتضح لهم الحق، ويستبين لهم طريق الصواب، وألا يتأثروا بالأفكار الوافدة التي تريد تفريق جماعتهم وفصلهم عن مشائخهم ومنهج سلفهم الصالح، فإن الفتنة إنما حدثت وتحدث بين شباب المسلمين بسبب الإصغاء إلى الأفكار الوافدة المشبوهة والإعراض عن المنهج الصحيح .

 

كيف ترون دور أئمة المساجد ومن له مسؤولية في هذا الأمر من جهة النصح والاجتهاد في ذلك تجاه إخوانهم، كما قال تعالى ]وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين[ لأننا نلاحظ في بعضهم نوعاً من التقصير حتى في الصلاة وغير ذلك، جزاكم الله خيراً؟

- لا شك أن أئمة المساجد عليهم مسؤولية يجب عليهم القيام بها، لأن الإمام ضامن، فيجب عليه:
أولاً: أن يحافظ على الصلاة بالجماعة، ولا يتخلف عن جماعته، ولا يتأخر عنهم ويشق عليهم، وإذا رأى أنه لا يمكن من الحضور فإنه ينيب عنه من يقوم بالواجب.

ثانياً: يجب عليه أن يتخولهم بالموعظة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة من حين لآخر، وخصوصاً عندما تحصل مناسبة أو تنبيه على خطاً .

ثالثاً: على الإمام أيضاً أن يتفقد المتخلفين عن الصلاة ويعظهم ويذكرهم، وإذا استدعى الأمر أن يبلغ عنهم ولاة الأمور للأخذ على أيديهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتفقد أصحابه في حضورهم للصلاة، وكان ينهى عن التأخر ويقول: «تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من خلفكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» [ رواه الإمام مسلم في صحيحه (1/325) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجالاً معهم حزم من حطب، ثم أخالف على قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم» [ رواه الإمام البخاري في صحيحه (1/158) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] فهذا دليل على أنه واجب على الإمام أن يتفقد المصلين معه، وأن يعاتب المتأخرين، وأن يقوم بالواجب نحوهم من باب النصيحة، أما أنه يترك المتخلفين ويترك الناس، فهذا يكون نقصاً في القيام بالمسؤولية.

 

إذا كان التنبيه على البدعة المتأصلة سيحدث فتنة، فهل السكوت عليها أولى؟
- حسب الظروف، إذا كان يترتب مضرة أكثر من المصلحة، فهنا ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما هو الأنسب، لكن لا تسكت عن البيان والدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة وتعليم الناس شيئاً فشيئاً، فالله يقول جل وعلا :
]فاتقوا الله ما استطعتم[ فإذا كان مثلاً إظهار الإنكار أول مرة، ولكن نعلم الناس، ونخبر ونبين ، ونبصر الناس حتى يتركوا هذا الشيء من أنفسهم، والله جل وعلا يقول : ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن[ ، فالجاهل يبدأ معه بالحكمة واللين، وإذا رأينا منه بعض النفور فإنه يوعظ ويخوف بالله عز وجل، وذا رأينا منه أنه لا يقبل الحق ويريد أن يدافع الحق بالقوة، فإنه يقابل بالقوة عند ذلك.

فالحاصل أن القاعدة الشرعية أنه يجوز ارتكاب أخف الضررين لتفادي أعلاهما، كذلك درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ولكن هذا شيء مؤقت، فنحن نتعامل مع هؤلاء الذين اعتادوا على هذا الشيء وأصروا عليه، نتعامل معهم بالرفق واللين، ونبين لهم أن هذا خطأ لا يجوز، ومع كثرة التذكير والتكرار، فإن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء، فربما يتأثرون بالموعظة والتذكير، ويتركون هذا الشيء من أنفسهم، فنحن نتبع الطرق الكفيلة لإنجاح المهمة ونستعمل الحكمة في موضعها، والموعظة في موضعها، ونستعمل الشدة في موضعها، وهكذا يكون الداعية إلى الله عز وجل، فلكل مقام مقال.

 

وما هي أوصاف العلماء الذين يقتدى بهم؟

- أوصاف العلماء الذي يقتدى بهم أن يكونوا أهل العلم بالله سبحانه وتعالى ، الذين تفقهوا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحلوا بالعلم النافع والعمل الصالح ، فلا يقتدى بعالم لا يعمل بعلمه، ولا يقتدى بجاهل ليس عنده علم، ولا يقتدى إلا بمن جمع بين الأمرين : العلم النافع، والعمل الصالح.

وبالنسبة للذين يقتدى بهم في بلادنا ومن تؤخذ أشرطتهم، وهم كثيرون ولله الحمد، معروفون عند الناس لا يجهلهم أحد، لا البادية ولا الحاضرة، ولا الكبار ولا الصغار، هم القائمون على أعمال هذه الأمة من الفتوى والقضاء والتدريس وغير ذلك، الذي عرف عنهم العلم والتقى والورع ‘ وعلى رأس علمائنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فإنه رجل منَّ الله عليه بالعلم الغزير والعمل الصالح والدعوة إلى الله والإخلاص والصدق وما لا يخفى على كل أحد، وهو ولله الحمد صدر عنه خير كثير من الكتابات ومن المؤلفات ومن الأشرطة ومن الدروس ، وكذلك العلماء الذين يفنتون في برنامج (نور على الدرب) هؤلاء أيضا ولله الحمد عرفت عنهم الفتاوى الصائبة والأقوال النافعة في الغالب، وكذلك إخوانهم من أصحاب الفضيلة كبار القضاة، لأنه لا يشتغل بالقضاء ويثق الناس به في دمائهم وأموالهم وفروجهم إلا من كان موثوقاً بعلمه.

إن هؤلاء لهم جهود في الدعوة والإخلاص والرد علي من يريدون الانحراف بالدعوة عن طريقها الصحيح، سواء عن قصد أو عن غير قصد، هؤلاء لهم تجارب ولهم خبرة وسبر للأقوال ومعرفة الصحيح من السقيم، فيجب أن تروج أشرطتهم ودروسهم، وأن ينتفع بها، فإن فيها فائدة كبيرة للمسلمين، وكل عالم لم يُجرب عليه خطأ ولم يُجرب عليه انحراف في سيرة أو فكر، فإنه يؤخذ عنه.

 

يُلاحظ على الثقافة الإسلامية المعاصرة اليوم أنه يشوبها شيء من فكر بعض الفرق الضالة، مثل الخوارج والمعتزلة، فتجد في بعضها تكفير المجتمعات والأفراد، وتسويغ العنف ضد العصاة والفساق من المسلمين، فما توجيهكم في ذلك؟

- هذا منهج خاطئ، لأن الإسلام ينهى عن العنف في الدعوة، يقول تعلى : ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن[ ويقول لنبيه موسى وهارون عليهما السلام تجاه فرعون: ]فقولا له قولا لينا له يتذكر أو يخشى[  .

والعنف يقابل بالعنف ، ولا يفيد إلا عكس المطلوب، وتكون آثاره على المسلمين سيئة.

فالمطلوب الدعوة بالحكمة وبالتي هي أحسن وباستعمال الرفق مع المدعوين، أما استعمال العنف مع المدعوين، والتشدد والمهاترات، فهذا ليس من دين الإسلام، فالواجب على المسلمين أن يسيروا في الدعوة على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى حسب توجيهات القرآن الكريم.

والتكفير له ضوابط شرعية، فمن ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام التي ذكرها علماء أهل السنة والجماعة، حكم بكفره بعد إقامة الحجة عليه، ومن لم يرتكب شيئاً من هذه النواقض، فليس بكافر ولو كان عنده بعض المخالفات.

 

هل نقبل على حضارة الغرب بعقل مستنير لتحقيق نهضة إسلامية كبرى؟

-        الدول الغربية الآن عندها الكثير من المستجدات التي يفتقدها المسلمون وعندهم الواجب عليهم التمحيص وأخذ ما ينفع منه وما يوافق ديننا وما أرشد إليه كتابنا، وترك ما حذر منه الدين ونهانا عنه .

 

 

« مجلة الحسبة  العدد 96 »

 


 
ارسل لصديق | طباعة

» التاريخ :
26/06/1431 


اقرأ ايضا
فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان في حوار مع الحسبة
الدكتور توفيق السديري في حوار مع الحسبة
فضيلة الشيخ عبد الله بن صالح آل الشيخ في حوار مع الحسبة
معالي الشيخ صالح الفوزان في حوار مع الحسبة
مهندس مشروع الجودة د. حسين القرشي في حوار مع الحسبة
رئيس مركز هيئة البقيع
حوار مع وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
الملتقى الأول لأقسام الدعوة والحسبة في الجامعات السعودية
حوار «مجلة الحسبة» مع فضيلة مدير عام فرع الرئاسة بمنطقة مكة المكرمة
المسلسلات المدبلجة...