في زمن (الماسنجر) وعصر (البلاك بيري)..گيف ستربي الأمهات الفتيات!
تحقيق/ فوزية المحمّد
في عصر العولمة، وتقنية الاتصالات، والبث الفضائي المباشر، وفي زمن تزايد أعباء الوالدين وانشغالهما، تزداد الحاجة إلى تكثيف الرقابة الأسرية وتشديدها، لكن مع الأسف أخذت الرقابة تتراجع وتنحسر مفسحة المجال لبروز ظواهر اجتماعية خطيرة ومدمرة، وانتشار سلوكيات سلبية ما كان لها أن تجد طريقاً للأسرة في حال انتباه الأبوين وخروجهما من غفلتهما الطويلة، بل ما كان لمثل تلك السلوكيات أن تطرق أبواب مجتمعنا في حال الحرص على التربية الصحيحة والتوجيه السليم.
ما أسباب الغفلة والانشغال، ومن المسؤول عن ذلك وكيف يمكن التعامل مع البنات في ظل ما يستجد من تحديات ومغريات تشكل خطراً جديداً على مستقبل الأجيال..!! التحقيق التالي يكشف لنا أسباب الظاهرة وتداعياتها ووسائل المعالجة..
كيف تكون الرقابة؟
الأخصائية النفسية والاجتماعية نوال العوين تقول: ارفض الرقابة التي تحاصر سلوك الفتاة.. وكأنها بلا عقل يميز الخطأ والصواب خاصة عندما تكون في مرحلة عمرية كبيرة.. فالرقابة التي نرجوها ونقصدها ليست هي أن يراقب الأب خطوات ابنته بعد أن يوصلها إلى مدرستها أو جامعتها.. وليست هي الرقابة التي تنصت فيها الأم إلى محادثات الفتاة.. في الهاتف.. أو تفتيش غرفتها دون علمها.. كل ذلك يؤثر في نفسية الفتاة سلباً.. ولكن في هذا الوقت الذي نعيشه نحتاج إلى أن نعلم أبناءنا وبناتنا منذ الصغر معنى الرقابة الذاتية.. لتكون الحصن الحصين لما يستجد من مغريات وتحديات تواجه الفتاة.. ففيها تتعلم الطفلة معنى الخوف من الله.. في السر والعلانية ومعنى الخطأ ونتيجته والصواب وقيمته.. معنى الثواب والعقاب ومعنى السمعة الحسنة والسمعة السيئة بين الآخرين.. هذا أهم ما يجب أن نغرسه في نفوس بناتنا منذ الصغر..
(وترى: أن الرقابة الأسرية على تصرفات وسلوكيات البنات لابد أن تكون معتدلة.. فلا نبالغ بها.. ولا نهملها حتى لا نعاني من مشاكل المبالغة أو الإهمال.. وقبل أن تكون الأم رقيبة على تصرفات ابنتها.. لماذا.. لا تكون قريبة من ابنتها.. تفتح لها مجالاً للحوار والمناقشة.. وهذا التقارب يحقق للبنت راحة نفسية أكثر.. وخاصة إذا أشرنا للفتاة أن هذه الرقابة من باب الخوف والحب والحرص عليها وليست من باب الشك في تصرفاتها أو في أسلوب تفكيرها.. وعلى الأم أن تكون أكثر حرصاً على ابنتها من صديقات السوء أو مما تعرضه شاشة الفضائيات من أخطار فكرية وعلى الفتاة أن تشعر قبل كل شيء بعملية ضبط في المنزل..
أضف إلى أن دور الأم تحديداً مهم جداً من حيث إشباع عاطفة ابنتها والقرب منها.. ومن صديقاتها ونصحها والحديث معها بواقعية عن نهاية الأمور السلبية، لأننا - كما نعلم - أمام مسؤولية تربوية مهمة.. وخصوصاً أننا نربي أمهات المستقبل.. وهذا ما يجب أن يستشعره الأهالي المنشغلون عن تربية بناتهم ومراقبة تصرفاتهم من حين لآخر لأن 05% من المشاكل التي تواجهنا مع الفتيات كانت بسبب غياب الرقابة. لهذا أقول للأهل المنشغلين عن بناتهم: إننا نحتاج إلى يقظتكم أكثر من غفلتكم.. مارسوا الرقابة المعتدلة.. فقد يكون هناك شيء يحدث لبناتكم أو يحدث من بناتكم وأنتم لا تعلمون.. ولا تنسوا "كلكم راع.. وكلكم مسئول عن رعيته"
دور ريادي
الدكتورة منيرة العباد أستاذة علم النفس التربوي تؤكد على دور التعليم المهم والريادي في تنمية الوعي الثقافي والاجتماعي لدى جميع أفراد المجتمع بشكل عام وبالنسبة للفتاة حيث شكل التعليم النظامي قد يكون له تأثير تراكمي وأكبر منه عند الفتى، حيث يسهم في تغيير نظرة الفتاة إلى دورها التقليدي المحدد وتشير الدراسات المسحية إلى أنه كلما توسعت دائرة المميزات الشخصية للفتاة التي تسهم بها في العلاقة الأسرية مثل درجة تعليمها وتجربتها العملية وتقارب مميزاتها الشخصية من مميزات بقية أسرتها زادت نسبة تأثيرها ومشاركتها في القرارات الأسرية، كما أن التعلم زود الفتاة بالمؤهلات المطلوبة التي تفتح أمامها آفاقاً جديدة للعمل وتحقق لها قدراً أكبر من الأمان والرضى النفسي. وقد أدت الطفرة المادية التي شهدها المجتمع والانفتاح على العالم الذي لا تقيده ولا تحده حدود من خلال وسائل الاتصال الحديثة المقروءة والمسموعة والمرئية إلى إيجاد تغير سريع ومفاجئ طرأ على المجتمع وشمل كافة نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
والتغير الذي قد يستغرق مئة سنة حتى يتم في مجتمعات غير المجتمعات الخليجية حدث هنا خلال عقدين فقط من الزمان وهذا التبدل المفاجئ للظروف خلال عشرين عاما ترك آثأراً واضحة على كل أفراد الأسرة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التغيرات السريعة التي طرأت على أفراد المجتمع هددت المفاهيم والقيم الإنسانية وطالت تفكير الناس واهتماماتهم اليومية. كما أن رياح التغيير هذه لا شك أنها طالت الفتاة فرغم توافر كل سبل المعيشة السهلة والإمكانات والفرص المتعددة إلا أن شريحة واسعة من فتيات اليوم تجري وراء المظاهر الخادعة ولا تهتم إلا بجمالها الخارجي ويشغل جل تفكيرها صرعات الموضة، بينما لا تدرك الدور الحقيقي المطلوب منها تجاه نفسها ومجتمعها مما يجعلها تعيش بعيدة عن قضايا مجتمعها حبيسة للأمور المرفهة والملهيات بشكل مبالغ فيه وفي الوقت ذاته نجد في الجانب الآخر عينة واعية من فتياتنا تعرف بالفتاة الملتزمة دينا وخلقا وسلوكا والتي تشارك بفاعلية وإيجابية في دفع عجلة التطور والتقدم لمجتمعها وتسعى جاهدة لوضع قدمها على مسار البناء.
إشباع الرغبات
وتشير الدكتورة منيرة إلى أن مرحلة المراهقة التي تبدأ من سن الثانية عشرة حتى سن الثامنة عشرة مرحلة حساسة للغاية، إذ يتجه النمو الجسمي إلى التكامل وتظهر ملامح الأنوثة لدى الفتاة وفي هذه المرحلة المهمة تظهر علامات من مرحلة الطفولة الماضية وأخرى من عنفوان الأنوثة وهنا تظهر هاتان المرحلتان في آن واحد وهذا ما يزيد العبء والعناء على الوالدين والمؤسسات الاجتماعية في توجيه الفتيات في هذه المرحلة. فالفتاة أثناء مرحلة المراهقة تشعر بأن الوالدين وبقية أفراد الأسرة لم يعودوا يفهمونها كما كانوا من قبل بعد أن تغيرت الفتاة وخرجت من مرحلة الطفولة وأصبح لها تفكيرها الخاص بها. وتقسم الفتيات إلى مجموعتين رافضة لوجهة نظر الآباء نحو بناء الجيل الجديد ومجموعة أخرى تؤيد توجهات نساء الأمس وتبدي إعجابها بما حققته أمهات الماضي قديما وحديثا. فالجهة الرافضة من المراهقات ترى الوالدين يتابعان كل حركة وكل هاتف خوفاً على ابنتهم، وخشية ألا تحسن التصرف وبدافع من الخوف عليها يقيدان حريتها ويحجران على تصرفاتها كذلك هناك مشكلات أسرية تعاني منها الفتاة المراهقة وتؤثر على عملية بناء الشخصية السوية لديها ومنها الانشغال الدائم للوالدين في العمل وترك عملية التربية بشكل كبير للمدرسة والمعروف أن الدراسات العلمية أثبتت حاجة الإنسان إلى اختيار نوع الدراسة التي يفضلها والعمل الذي يريده والسؤال هنا: هل تتاح لفتياتنا إشباع هذه الرغبة؟
المتغيرات الاجتماعية
لطيفة الخميس أخصائية اجتماعية تؤكد أن الشائع والمعروف تربوياً ونفسياً أن يكون لكل مرحلة عمرية من المراحل التي يمر بها الإنسان سمات وخصائص ومتطلبات تفرض على التربويين والآباء التعامل وفقا لها، ففتاة اليوم لم تعد ابنة الأمس، والتعليم الوافر الذي حظيت به والنقلة الحضارية المشهورة قد أكسبتها جرأة وطموحا وقدرة على المواجهة وإبداء الرأي والاختيار بمحض إرادتها وعلى رب الأسرة أن يتقبل ابنته وألا يفرض عليها رأيه دون أن يوضح لها ويشرح أسبابه ودوافعه.
فالمراهقة إذا ما عوملت بأسلوب القمع والإجبار تشعر بأنها مظلومة وبأنها تعيش حالة من الصراع بين الأجيال، وتعد نفسها ضحية والجلاد هو أقرب الناس لها، لذا تفرض مرحلة المراهقة ونظرا لحساسيتها أسلوبا معينا في التعامل سواء من الأصل وحتى المدرسة والمعلمات. أن مسئولية رعاية الفتاة المراهقة تقع على الأم بالمقام الأول، مع قليل من الإسناد التربوي من الوالد، وذلك لأن كثيراً من التبدلات الفسيولوجية والسيكولوجية تطرأ على الفتاة عندما تدخل سن المراهقة أو تعيشها، وهذه التبدلات تدخل في نطاق الخصوصية التي تسر بها الفتاة لأمها، وهنا المرحلة الخطرة الأولى، إذ يتحتم على الأم أن تعمد فوراً إلى تغيير طبيعة علاقتها مع ابنتها التي كانت بالأمس طفلة تقفز وتلعب هنا وهناك لترتقي بهذه العلاقة إلى مستوى من الجدية والمسئولية التي تكتنفها مشاعر الود والصداقة الحميمة وأن تستمع إلى كل ما يعتلج في صدر ابنتها من عواصف الأفكار والمشاعر والأحاسيس وأن تنزلها جميعها منازل الاهتمام وحسن التقدير وأن تشعر هذه الابنة بأهميتها في محيط العائلة، وبشدة محبة الآخرين لها من إخوانها وصديقاتها وأقاربها، وأن تشعرها بأن الأم هي الصدر الحنون الذي يسع كل همومها ومشاكلها، تلك التي تعتقد الفتاة المراهقة أحيانا بأنها عصية على الحل، أو أنها تجد نفسها وحيدة في مواجهتها.
قضايا تشاورية
وعلى الأم أن تلجأ إلى الأب في كثير من القضايا للتشاور معه في قضية من القضايا التي تجدها مهمة من قضايا ابنتها وان "تتآمر" معه أحيانا على أن يقوم بتصرفات وديعة أو عنيفة ـ تبعا للوضع المطروح ـ مع ابنته كلما دعت الحاجة إلى ذلك على ألا تدرك الفتاة أن تصرفات أبيها ناجمة عن قضية أسرت بها الابنة لأمها وقامت هذه الأم بتوصيلها لأبيها بمعنى أن يتصرف الأب بطريقة توجيهية إيحائية تحتمها مكانة الأب كسلطة يصعب التمرد عليها، وتكمن أهمية هذا الدور بل وخطورته، في أن الأم والأب إذا استخفا بمشاعر ابنتهما المراهقة، وأهملا ما يحدث في حياتها وروحها وجسدها من تبدلات، فإن هذه المراهقة سوف تلجأ إلى أول من يفتح صدره لها وغالبا ما تكون صديقة لها أو أكثر، ولأن هذه الصديقة سوف تكون غالبا بنفس عمرها، فإن خبرتها وتجربتها في هذا الشأن سوف تكون محدودة، وإذا قدمت لها الحلول فإن هذه الحلول ستكون ضحلة غير شافية وإن لم تكن خطيرة تؤدي إلى منزلقات تتوالد عنها مشاعر عنف وتوتر تكون غالبا شديدة وتخلّف شخصية ضعيفة ومتمردة تشعر بكل ألوان الإحباط والإحساس بالوحدة والعزلة.
وللفتيات كلمة:
الرقابة الذاتية
ربا طالبة جامعية تقول: أرى أن الرقابة يجب أن تنبع من داخل الشخص نفسه أولا ثم يكون دور الوالدين.. وهو دور مهم وسياج واق لحياة وحياء بناتهم فترك الحبل على الغارب للبنات أصبح خطراً.. خاصة في مثل هذا الوقت.. الذي نحتاج فيه إلى عين.. ساهرة.. وقلوب تفهم ما يدور حولنا من إغراءات كثيرة.. وتضيف "فرص الانفلات توجد داخل المنزل مثل توفر الانترنت أو الجوال.. فما نعيشه في عصر العولمة ساهم بتقريب البعيد.. وأصبح الخطر يأتي إلى داخل المنزل.. لهذا.. أرى ضرورة زرع الثقة في قلوب الأبناء والبنات.. منذ الصغر وتربيتهم التربية الإسلامية القويمة وأن الله مطلع على كل شيء فهو العليم الخبير.. ومن خلال ذلك تكون الرقابة الذاتية هي أهم مساعد لرقابة الوالدين".
صدامات دائمة
الطالبة سارة تقول: جيل آبائنا يعتقد خطأ أن التطوير يعني الانحلال فيرفضون كل ما هو جديد، لذا أنا دائمة الاصطدام مع والدي الذي يريد ان أعيش حبيسة أفكارهما وتصوراتهما وأنا أريد أن أواكب عصري وأعيش كغيري من الفتيات وعندما أفكر في عمل شيء فإنهما يرفضان سماع ما أريد قوله أو طرحه. وتشير إلى أهمية الوصول إلى صيغة من التفاهم بين الأهل وابنتهم المراهقة حتى تستطيع الفتاة أن تعيش وقد منحت مساحة من الحرية، الحرية التي حددتها الأسرة بما يتلاءم مع القيم والعادات المألوفة وعلى الفتاة أن تصون ثقة أهلها فيها.
دانة تقول: إن تعامل الأهل مع الفتاة في سن المراهقة ـ وهي أخطر الفترات في حياة الأنثى ـ يجب أن يكون حذرا ومدروسا لان النتائج ستكون سلبية إذا ما تعامل الأهل بالقسوة والقوة وبالنسبة لي فإنني أدرك أن والدي لديهما خبرة واسعة في الحياة وإذا رفضا شيئاً أريده فإنما يكون ذلك بناء على رؤيتهما وما لا أراه أنا، لذا أقبل بما يقولانه دون أن أناقش أو أرفض.
نعاني من الثقة المفرطة
الطالبة وداد في المرحلة الثانوية تقول: أمي وأبي مدرسان وهما يثقان بي ثقة عمياء فأنا بالنسبة لهما الابنة الكبرى والمسئولة.. هما لا يسألان عن أي شيء سوى (كيف حال الدراسة) ولا أتذكر أن أمي جلست معي وسألتني عن يومي كيف اقضيه وعن صديقاتي ما يهمها فقط الدراسة والمصروف.. حتى عندما اذهب مع صديقتي وأقول لها إني ذاهبة مع السائق لا تسأل.. إلى أين؟ ومتى أعود..؟ أنا أقدر هذه الثقة.. وأحترمها.. ولكن في نفس الوقت اعترف بأنها كانت سبباً قوياً في ممارستي لبعض التصرفات الخاطئة والسيئة.. لأني وجدت أمامي ثقة مفرطة.. دون أن تكون هناك رقابة أو توجيه..
- الطالبة.. منى العقيل ترى أن الرقابة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في تربية الأبناء.. والبنات.. وتقول اليوم نجد أن أكثر السلوكيات الخاطئة التي تمارسها الفتيات هي بسبب غياب الرقابة.. وعدم تقدير المسؤولية من قبل الأهل.. فالفتاة.. التي تعاني من فراغ عاطفي مثلاً ستضعف أمام التحديات التي تواجهها لهذا لا تجد صعوبة في أن تشبع عاطفتها بأي طريقة خاطئة وسيكون الأمر أشد خطورة إذا كانت الرقابة منعدمة لأن الفتاة ستكون ضحية.. وتقع في مشاكل قد يعلم الأهل بها آخر الأمر.. وأحياناً لا يعلمون.
مجلةالدعوة / العدد 2222 - ص46