ربع الشباب المنحرفين.... (( أبناء لمطلقين ))
تحقيق – فيصل الحربي
ولد في أسرة تضم أمه وأباه، عاش سعيداً مطمئناً عاماً، عامين، ثلاثة، أربعة، انهدم البيت وتشتت الأسرة، ذهب مع أمه وابتعد عن والده، وهو أعلى أعتاب المدرسة أخذه والده ليعيش معه، افتقد حنان ودفء أحضان الأم، ألح على والده بالعودة لمنزل أمه رجع ووجد نفسه في منزل بيت زوج الأم لا يعطيه حنان الأب.
وهكذا استمر يعيش في ظل معاناة نفسية كبيرة بدون أن يعرف شيئاً عن المشاكل التي حدثت وأدت إلى التفريق بين والديه، هو يعرف فقط أنه فقد الحنان ودفء المشاعر والشعور بالاستقرار والأمان، قابلنا بعض من هؤلاء الأطفال وما يواجههم من مشكلات من جراء طلاق والديهم.
خيار الصعب
شهد سبعة أعوام طلقت والدتها قبل ثلاثة أعوام وعاشت في كنفها عاماً كاملاً، حتى جاء والدها يوماً لزيارتها، وأخذها معه ليشتري لها حلوى، وكانت خطة محكمة للفرار بها، جن جنون الأم ولجأت إلى المحكمة بعدما يئست من الانتظار، وبعد عدة جلسات حكم للأم بالحضانة، لأن الأب يعاني من مرض نفسي وغير مؤهل لتربيتها، تقول “شهد” : لا أعلم لماذا عشت مع أبي لا أستطيع أن أرى أمي وإذا عشت مع أمي لا أستطيع أن أرى أبي، كل صديقاتي بالمدرسة يعشن في بيت واحد مع أبيهم وأمهم ما عداي لهذا أنا دائماً أبكي خاصة وقت النوم.
وتكتفي “ليان 10 أعوام” بالقول: أنا أكره الطلاق كثيراً، أمي تبكي دائماً وأنا حزينة ومهمومة وهي تدعو على أبي، لأنه لم يعطنا مصروفاً يكفينا وأما أبي فلا نشاهده إلا في الأعياد ولدقائق معدودة فقط.
“خلود” ابنة الثلاثة عشر ربيعاً تقول: لن أتزوج بسبب مشاكل أمي وأبي لقد نشأت على الدنيا وأنا صغيرة وأرى أبي يضرب أمي ويشتمها، وعندما طلقها استمرت المشاكل لأنه رفض العائلة، وقد عشنا فترة من الزمن في منزل خالي وكان متضايقاً ومتذمراً من وجودنا ولا يريدنا معه، واضطرت والدتي لاستئجار مبسط في أحد الأسواق الشعبية لتبيع بعض الحاجيات وتتمكن من دفع قيمة إيجار البيت لأن خالي طردنا من بيته، ولذلك أنا كرهت الزواج للأبد!!
“عبدالكريم 12 عاماً”، أمه مطلقة ويعيش هو وإخوانه الأربعة معها، يقول أذهب بين فترة وأخرى لزيارة والدي في بيته وأرى إخواني وهم قريبون من أعمارنا، أشعر بالغيرة الشديدة كلما رأيتهم والدي معهم طوال الوقت ويخرجون بصحبته للأسواق والمتنزهات ولأي مكان، وأما مستوى المعيشة فهي مرهقة تماماً وهذه أمور نفتقدها أنا وأشقائي فما ذنبنا ليحرمنا والدي منها، ألسنا أبناءه مثلهم؟ لماذا هم يدرسون في مدارس أهلية ونحن لا؟ لماذا هم يعيشون في منزل كبير ونحن في شقة صغيرة جداً؟ لماذا يذهبون للملاهي ويشترون الألعاب؟ لماذا يذهبون معه لزيارة الأعمام والأقارب ونحن لا؟ إنني أشعر بكره شديد تجاههم.
ويحكي “عبدالرحمن 14عاماً” قصتهم فيقول: كنا صغاراً، عندما انفصل أبي عن والدتي وصرنا لا نراه ولا يرانا، فقط يرسل لنا المصروف الشهري، وهو لم يقصَّر معنا أبداً من الناحية المادية، بل يلبيها لنا ويسبغ علينا العطاء، ولكنه لا يعتني أبداً بتربيتنا ورعايتنا، إنه لا يعرف عنّا شيئاً، ووالدتي امرأة بسيطة شخصيتها ضعيفة، لذلك ترك أخي الكبير الدراسة وانحرف مع أصدقاء السوء، وأخي الأصغر مني بدأ بالتدخين وله ثلاث سنوات يعيد السنة الدراسية ذاتها وقد حاولت تنبيه والدي ولكنه لم يبال بالأمر فهو مشغول بتجارته وزوجاته وأبنائه.
الدكتور اليوسف: 12 أثراً للطلاق على الأبناء:
من جهته، قال الاختصاصي النفسي الدكتور عبدالله اليوسف: “لا شك أن الطلاق يترك آثاراً كثيرة وعميقة على الأبناء، إن معظم الدراسات التي تناولت الطلاق، وأوضاع المطلقين، كان من ضمن ما تناولته التفكك الأسري، وأثره على الأبناء، حيث يفترض أن الأبناء يعيشون في جو أسري سليم، يؤثِّر إيجاباً على تنشئتهم الاجتماعية والنفسية، وبالتالي يوجد نوع من التوازن النفسي والعاطفي لديهم، في ظل وجود الوالدين، وحينما يفقد الأبناء الوالدين بالطلاق، يكون لذلك أثر سلبي في حياتهم، وخصوصاً إذا كان هذا الانفصال بين الزوجين نتيجة مشاحنات ومشاجرات واختلافات عنيفة، لأن هذه المشكلات التي عانوا منها تنقل لهم عبر الوالدين، كما أن الأبناء حين يرون أن والدتهم تعاني من ظلم أهلها ومجتمعها، وتراقب مراقبة شديدة، بل يشكك في تصرفاتها، كما أنها ليست ذات حظ لدى أهلها “مجتمعها” إذا رأى الأبناء ذلك فسوف يختارون في الغالب أحد الموقفين، وكلاهما يؤدي إلى نتيجة سلبية.
الأول: الوقوف مع والدتهم ضد هذا الظلم والاستبداد والشك في الأسرة والمجتمع وبالتالي ينطبع في ذهن الأبناء أن المجتمع والأسرة ظالمون !وهذا يدينها ولا تستحق بالمقابل إلا الظلم، وعدم احترام قوانينها وأنظمتها “الأسرة والمجتمع” وهذه النتيجة تخلف نوعاً من الانحراف الفكري والسلوكي لدى الأبناء.
الثاني: هو الوقوف مع المجتمع تجاه المطلقة “الأم” ووصفها بتلك الصفات المؤذية، لأنها لم تستطع أو تحاول التوافق في الحياة الزوجية مع والدهم، فهي لا تستحق الاحترام والتقدير ! وهذه النتيجة تنسب إلى المرأة بشكل عام وهذه توجد نوعاً من الانحراف الفكري والسلوكي لدى الأبناء في نظرتهم للمرأة، ودورها في الحياة، مما يؤثِّر سلباً على مسيرة حياتهم في المستقبل، بل إنهم رسموا شكل حياتهم قبل أن يبدؤوا بها، فمصيرها التعقيد والمشكلات الزوجية الأسرية وبالتالي يصيبهم ما أصاب والديهم، وهذه النظرة ليست على إطلاقها ولكن بعض الدراسات يؤيدها ولو بنسب بسيطة فالمطلقون يكون آباؤهم مطلقين أيضاً.
توتر نفسي وانحراف سلوكي:
ويستطرد الدكتور اليوسف بالقول: وبذلك يمكن القول: إن الآثار الناتجة عن الطلاق والواقعة على الأبناء يمكن إجمالها في القضايا التالية:
1- التوتر النفسي الذي يصيب الأبناء جراء فراق الوالدين.
2- سوء التكيف الاجتماعي والنفسي الذي يحدث للأبناء.
3-النظرة غير المتوازنة من قبل المجتمع لأبناء المطلقين.
4- سوء التفكير الذي يصيب الأبناء تجاه والديهم والمجتمع.
5- الانحرافات السلوكية والأخلاقية التي يمكن أن تصيب الأبناء للمطلقين.
6- ضعف المناعة الدينية والاجتماعية والنفسية لدى أبناء المطلقين.
7- الفشل في بعض الجوانب الحياة الاجتماعية الذي يصاب به أبناء المطلقين.
8- قلة الاهتمام والسلبية من أبناء المطلقين نتيجة النظرة السلبية التي يحملها الأبناء تجاه المجتمع والعكس.
9- ضعف التربية والتنشئة الاجتماعية ولأسرية التي يتصف بها أبناء المطلقين نتيجة فراق الوالدين.
10- ضعف البناء النفسي والذاتي لأبناء المطلقين.
11- الاتصاف بالحدة والعنف والأحادية في التفكير والعمل نتيجة عدم وجود موجِّه لهم جراء الطلاق.
12- الفراغ العاطفي وعد الإحساس بالآخر.
وعن كيفية التقليل منها أو الحد منها قال: ليس كل الأبناء يعانون من هذه المشكلات الناتجة عن طلاق والديهم أو يلمسوا آثارها بشكل مباشر فهناك حالات تسلم من هذه الآثار السلبية وتبتعد عن أجوائها المتوترة وذلك عبر عوامل مساعدة على تحقيق ذلك.
وهناك قضايا أساسية أرى أنها تعين على التقليل من مشكلات الطلاق وآثارها على الأبناء منها:
1- الاهتمام بالثقافة التربوية للأسرة من خلال:
أ- إدخال مناهج التربية الأسرية في مناهج التعليم المتوسط والثانوي والجامعي والتركيز في هذه المناهج على أسس التنشئة السليمة وكيفية تعامل الآباء والأمهات مع سيكولوجية الطفل وتعليمهم كيفية إدارة شؤون الأسرة والتغلب على الصعوبات وتحديد المسؤوليات المترتبة على كل منهما.
ب- عقد دورات تربوية تثقيفية للأمهات والآباء بشكل دوري عن أساليب التربية الحديثة.
ج- زيادة مساحة البرامج التربوية في وسائل الإعلام، إعطاء الفرصة للأمهات والآباء لطرح المشاكل التي تهدد كيان الأسرة وتعريضها للمناقشة الجادة والتحليل المتعمق.
2- مساعدة الأسرة في تحسين وضعها الاقتصادي وحل مشاكلها المادية.
3- التقليل من الاعتماد على المربيات والخادمات في أمور الأبناء، وقصر ذلك على الأمهات مهما كانت الظروف.
4- تفعيل الحوار بين الوالدين والأبناء وإعطاؤهم مساحة من الثقة والاعتماد على النفس
5- عقد دورات اجتماعية للشباب المقبلين على الزواج توضح لهم خلالها آليات التعامل السليم مع الزوجية والأبناء وكيفية بناء أسرة سليمة ومتماسكة.
6- توعية وتثقيف المقدمين على الزواج بالثقافة الإسلامية اللازمة لاستقرار الحياة الزوجية،من خلال عقد دورات من قبل مكاتب الإرشاد الأسري ومكاتب الرعاية الاجتماعية وغيرها.
7- ضرورة رؤية طرفي الزواج قبل إبرام العقد، لأن ذلك يؤدي لمعرفة مدى التوافق بين الخطيبين، وغالباً ما تكون الزيجات التي تتم بدون فترة خطبة ولو قصيرة هي في الحقيقة زيجات اضطرارية لسبب أو لآخر، إلا أن الزيجات التي تقوم على تصور معين للزواج تكون أقل عرضة للطلاق.
8- ضرورة نشر الوعي بالحقوق والواجبات الزوجية، عن طريق وسائل الإعلام ومكاتب التوجيه والإرشاد، لتفادي وقوع الطلاق وانهيار الأسر، التي تعد دعامة أساسية في بناء المجتمع.
25 في المئة من المنحرفين من أبناء الطلاق:
وعن مرور الطلاق بمشاحنات ومشاجرات عنيفة بين الزوجين فهل لهذا دور في انحراف الأبناء فكرياً وسلوكياً فقال:
الحقيقة أن الدراسات الاجتماعية المتعلقة بالانحراف والجريمة تشير بشكل مباشر إلى أن الطلاق هو أحد الأسباب البارزة لانحراف الأحداث، ولعلي أشير إلى إحدى الدراسات التي أجريتها حول الأحداث المعرضين للانحراف داخل دور التوجيه الاجتماعي، حيث وجدت أن 25 في المئة من أفراد العينة البالغ عددهم (161) مبحوثاً أن والديهم مطلقان مما يعكس خطورة الطلاق على استقرار الأسرة. وأرى أننا لم نهيئ أولادنا وبناتنا ليكونوا آباء قادرين على القيام بمسؤولية الأبوة والأمومة كما يجب، بمعنى أن كثيراً من الآباء والأمهات إما أن يكونوا متأثرين بالفكر الغربي، ويدينون بالولاء لكل ما هو غربي، وثقافتهم الإسلامية ضحلة وضعيفة ومشوّهة، ويربوا أولادهم طبقاً لثقافتهم وتوجهاتهم، فيكون أولادنا نسخاً ممسوخة من الغربيين، وإما أن يكونوا من فريق آخر فهمه للإسلام قاصر متطرف، سيطرت عليه الأعراف والعادات والتقاليد، ودائرة المحرمات لديه كبيرة، وكلمتا (الكفر) و(الحرام) هي الغالبة في أحكامه.
أيضاً نجد غياب الأب عن البيت فترة طويلة، وعدم حرصه على التعرّف على مشكلات أولاده، والجلوس معهم، والتعرّف على احتياجاتهم ومناقشتهم في مختلف القضايا، والتعرف على أصدقائهم وزملائهم وأسرهم، وهو ما يجعل الأولاد عرضة لمصادقة قرناء السوء الذين قد يجرونه إلى هاوية المخدرات أو مستنقع الإرهاب، أو تبني أفكار ومعتقدات إلحادية كعبادة الشيطان، أو إباحية وما ذكرناه سابقاً يوضح بجلاء معاناة الأسرة السعودية نتيجة تلك المتغيرات التي شهدها مجتمعنا في السنوات الأخيرة وما صاحبها من تنوع الاحتياجات وتشعب المشاكل وتطور الأنماط السلوكية في ظل تآكل القيم الاجتماعية وضعف المساندة المجتمعية، مما يدعو إلى ضرورة مراجعة النسق الأسري لسياسته وبرامجه بالتكامل مع الأنساق الأخرى الاجتماعية، التربوية، الاقتصادية، الدينية والأمنية بما يكفل الوقاية من الانحرافات وتأمين المجتمع، خاصة أن الأسرة في أي مجتمع من المجتمعات تمثِّل محطة الدفاع الأولى ضد الانحراف والجريمة.
مشاعر طفولة:
* غادة 9 أعوام تقول: إذا جلست مع والدي يسب أمي ويظهر فيها كل نقائص الدنيا، وإذا جلست مع والدتي لم تمل من سب وشتم والدي!
* مرام 11 عاماً قالت: والدي طلق والدتي وعادت إلى بلادها خارج المملكة، وعمري لا يتجاوز عدة أشهر، أريد رؤية وجه أمي أو سماع صوتها ولو مرة واحدة في حياتي ولكن أبي وأهله يرفضون.
* فهد 8 أعوام يقول: أعيش في بيت جدتي وجدي، أبي تزوج وعنده أطفال صغار وأمي تزوجت وعندها أطفال صغار، وأنا محروم من الجميع وأشعر بالملل.
* خالد 9 أعوام قال: والدي طيب جداًً ويحبني جداً، ووالدتي غاية في الطيبة والحنان والحب، وأتمنى لو يرجعان ويعيشان مع بعضهما وحلمي أن أجمعهما معاً.
مجلة الدعوة
العدد : 2234 الجمعة 28 ربيع أول 1431