الحديث الثاني
عن النعمان بن بشير ‑رضي الله عنهما‑: عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ قال: «مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها: كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على مَن فَوقهم، فقالوا: لو أَنَّا خرقْنَا في نصيبنا خرقا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا ونجوا جميعا».
أولا: تخريج الحديث:
أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات (2686)، وكتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة؟ (2493).
والترمذي، كتاب الفتن، باب منه [قبله ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب] رقم (2173) بنحوه، وزاد فيه «فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا...» وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأحمد في المسند (4/ 268) بنحو رواية الترمذي، وفي (4/ 269، 270) بنحو رواية البخاري الثانية، وفي (4/ 269، 270) ولم يذكر تمام لفظه، وفي (4/ 273، 274) وفيه: فقال بعضهم: «إنما يخرق في نصيبه، وقال آخرون: لا...».
والحميدي في «مسنده» (919) وزاد: «فقال بعضهم: اتركوه ‑أبعده الله‑ يخرق في حقه ما شاء، فقال بعضهم: لا تدعوه يخرقنا فيهلكنا».
وابن المبارك في «الزهد» رقم (1349) وفي أوله مِن قول النعمان: «يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم»، وفي آخره: «خذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا».
وابن حبان في «صحيحه» رقم (297، 298، 301) وفيه بعض اختلاف في ألفاظه.
والرامهرمزي في «أمثال الحديث» ص 103 وفيه: «إن مثل المدهن في أمر الله» وفي ص 104 بنحوه، ولم يذكر تمامَ الحديث.
وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «الأمثال» رقم (317) ولفظه: «مثل القائم على حدود الله والمداهن في حدود الله: مثل ثلاثة نفر جلسوا في سفينة: أحدهم في صدرها، والآخر في أسفلها، والآخر في وسطها، فجعل يحفرها بفأس معه، فقال الذي يليه: لا تحفر فتغرقنا، وقال الآخر: دعه، فإنما يغرق نفسه»!.
ثانيا: مفردات الحديث:
«مثل القائم على حدود الله»: الْمَثَل ‑بفتح أوله وثانيه‑: هو الحال والصفة العجيبة، وقد كثر ضرب الأمثال في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة؛ لما لها من أثر بالغ في إبراز خفيات المعاني وتقريبها للأذهان، وذلك لتصويرها بصورة الشيء الملموس المحسوس.
«حدود الله»: الحدود: جمع حد، قال الزَجَّاج: أصل الحد في اللغة المنع، ومنه حد الجدار، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها، والحداد: الحاجب والبواب.
وأما في الشرع: فالمراد بالحدود: الشرائع التي شرعها اللهُ من الحلال والحرام.
وتُطلَق الحدود ويُراد بها: نفس المعاصي، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾.
وتُطلَق ويُرَاد فعل فيه شيء مقدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
وتُطلَق ويُراد بها: العقوبات المقدرة من الشارع، وذلك كحد الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ونحوها. فإن لم تكن مقدرة محددة من الشارع فهي التعازير.
والمراد في الحديث المعنى الأول وهو شرائع الله، فيشمل فِعل المأمورات واجتناب المنهيات.
ومعنى «القائم على حدود الله»: الآمِر بالمعروف والناهي عن المنكر.
وقيل معناه: المستقيم على الشريعة وعلى ما منع الله.
ولا تنافي بين المعنيين ‑بل هما متلازمان غالبا‑؛ فالأَمْر بالمعروف والنهْي عن المنكر رأس الاستقامة على الدين بعد الإيمان، والمستقيم على الشريعة لابد أن يكون آمِرًا بالمعروف ناهيا عن المنكر، فلا يترك هذا الفرض ولا يداهن فيه.
«والواقع فيها»: أي التارك للمعروف المرتكب للمنكر.
أو يشمله ويشمل المتساهل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي رواية الترمذي: «مثل القائم على حدود الله تعالى والمداهن فيها»، وهو في معنى هذه الرواية؛ لأن المداهن والمدهن: هو المتليِّن لمن لا ينبغي التليُّن له، وهو بمعنى التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمدَّهِن: من الادهان، وهو المحاباة في غير حق، وهو الذي يُرائي ويُضيع الحقوق ولا يُغيِّر المنكر.
وقيل المداهنة: المصانعة والمساهلة على حساب الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.
وقد جاءت رواية الإسماعيلي في «مستخرجه» في كتاب الشركة: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمدهن فيها»، فهذه ثلاث فرق، وبيان وجودها في المثل المضروب: أن الذين أرادوا خرق السفينة بمنزله الواقع في حدود الله. ثم مَن عداهم: إمَّا منكِرٌ وهو القائم. وإمَّا ساكت وهو المدَّهِن.
«استهموا على سفينة» أي: أخذ كل منهم نصيبه من السفينة على سبيل الاقتراع، وفي الرواية الأخرى: «استهموا سفينة» أي اقترعوا على أنصبتهم فيها، فالمعنى واحد، وهذا إنما يكون في السفينة ونحوها كالقطار والسيارة مثلا فيما إذا نزلوا معا، أما لو سبق بعضهم بعضا فالسابق أحق بموضعه، وسواء أكان الحق بالتملك أم بالاستئجار.
«فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على مَن فَوقَهم»، استقوا: أي أرادوا السقيا، أي: الشرب. والسين والتاء للتأكيد، ويجوز أن تكون للطلب، أي: طلب بعضهم من بعض السقيا. وفي الكلام محذوف دلت عليه الرواية الأخرى «فتأذوا به»، والضمير في «به»: إما عائد على المار أو المرور المفهوم من الكلام. وإما عائد على الماء الذي يكون مع المار عليهم.
«فقالوا لو أنا خرقْنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذِ من فوقنا»: «لو»: إمَّا للتمنِّي فلا جواب لها. وإما أن تكون للشرط وجوابها محذوف، أي: لكان أولى وليس فيه إيذاء للمرور بهم، وكأنهم ظنوا أنه ما دام ملكا لهم فلهم التصرف فيه، حتى ولو ضر ذلك بمصلحة الغير، أو بمصلحة الجماعة، فوضع لهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمور في نصابها.
«فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا»: «ما»: مصدرية، والواو بمعنى «مع»، أي: إن يتركوهم وتحقيق إرادتهم، والواو في «يتركوهم» عائد على البعض الذي اختار أعلى السفينة واستقر فيه، أي: إن يترك الذين في أعلى السفينة الذين هم في أسفلها ليخرقوها؛ هلكوا جميعا، أي الخارقون والتاركون للإنكار ولم يحولوا بينهم وبين ما يريدون.
وفي هذه الرواية إجمال، بَيَّنَته الرواية الأخرى: «فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تَأذَّيتُم بي، ولا بد لي من الماء».
«وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا»، وفي الرواية الأخرى: «فإن أخذوا على يديه» بالإفراد؛ لأنهم إن شاركوه في الخرق؛ فالجمع ظاهر.
وإن كان الذي تولى الخرق واحد؛ فموافقتهم له ورضاهم عن عمله؛ يجعلهم في حكمه.
«نجوا» أي: المنكرون عليهم، «ونجوا جميعا» أي: الناهون والشارِعون في الخرق وإحداث الثغرة.
وقد يظن ظانٌ بادئ الرأي: أنه لا داعي لقوله: «ونجوا جميعا»، وأنه تكرار لما قبله.
ولكن عند التحقيق والتأمُّل وإعمال الفكر والرويِّة يتبين لنا أنه لا غنى عنه قط؛ لأنه لو لم يذكره صلى الله عليه وسلم؛ لتُوهِّم أن النجاة خاصة بالمنكرين دون الشارعين في الخرق، ولكن بذكره كان تنصيصا على نجاتهم أيضا. وفي هذا ما فيه من التأثير النفسي، فإن الشارع في الخرق إذا علم أن في تنفيذ ما يريد الهلاكَ وفي تركه النجاة؛ كان ذلك أدعى إلى تهيب الإقدام عليه، والإصاخة لصوت الحق.
فقه الحديث:
هذا الحديث يقوم على التشبيه.
وجمالُ التشبيهِ فيه ينبع من تصويره الرمزي لواقع الناس وطريقةِ تعاملهم مع أوامر الله ونواهيه وكيفية استقبالهم لحدود الله، والمحافظة عليها.
وهذا التشبيه التمثيلي يُقسِّم الناس إلى ثلاث فرق، وهو مُستمَدٌّ من مشاهد البيئة وواقع الناس:
فالذين أرادوا غرق السفينة: بمنزلة الواقع في حدود الله، أي العاصي الذي يستهين بالحدود ويَتعدَّاها.
ثم ما عدا هذا الفريق وهم قسمان:
إما قائم في حدود الله: أي يقيم الحدود ويَذُبُّ عن المحارم، ويُحافظ على الأنفس والأعراض والأموال.
وإمَّا مُدَاهن: وهو المرائي الذي يضيع الحقوق، ولا يأمر بالمعروف، ولا يَنهى عن المنكر.
ولتجلية ما يحتوي عليه الحديث من معاني نعرض لها في المسائل التالية:
المسألة الأولى: من أساليب الدعوة ضرب المثل:
إن الداعية بحاجة إلى عدد من الأساليب الدعوية، التي يستطيع من خلالها بيان المعاني والمضامين الدعوية التي يريد توضيحها للمدعوِّين.
ولعل من أهم أساليب الدعوة التي لا يستغني عنها الداعية: أسلوب ضرب المثل.
وقد ورد استعمال المثل في القرآن والسنة لبيان المعاني وتقريبها إلى أذهان المدعوين، ومن الشواهد على ذلك في الحديث الذي معنا ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم...»، ولا يخفى أن العقول تتفاوت في الفهم؛ فيأتي أسلوب ضرب المثل الواقعي المحسوس ليقرب المعنى إلى الأذهان، وهذا يعتبر من أساليب الدعوة الهامة؛ لما له من تأثير؛ حيث تبقى صورته ثابتة في النفس مما يزيد درجة الإقناع لدى المدعوين.
وكثيرا ما استخدم القرآن هذا الأسلوب، مثل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، وقولِه جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾.
والنصوص النبوية كثيرة في ضرب المثل لتقريب المعاني إلى الأفهام.
قال الشيخ ابن عثيمين: «وفي هذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم: دليل على أنه ينبغي لمعلم الناس أن يضرب لهم الأمثال ليُقرِّب لهم المعقول بصورة المحسوس. وكَم من إنسان تشرح له المعنى شرحا كثيرا وتردده عليه فلا يفهم! فإذا ضُرِب له مثلٌ بشيء محسوس يعرفه؛ فهِم».
المسألة الثانية: بيان التمثيل في الحديث:
قد تضمن هذا الحديث الشريف ثلاثة تشبيهات:
فقد شُبِّهَت فيه أحكام الشريعة الغراء في حفظها لسلامة المجتمع وكفالتها لأمنه وطمأنينته بالسفينة التي تمخر عباب اليم، وتقطع براكبيها أجواز البحار في أمن ودعة وسلامة من المخاطر؛ متى سددوا قيادها، وأحسنوا تصريفها.
فكذلك الشريعة السمحة: يخوض القائمون على حدودها معترك الحياة، ويجتازون مضايقها، وهم في أمن من الأخطار، ومَنجاة من الزلق والعثار.
وفي الحديث ‑أيضا‑ تشبيهُ القائمين على حدود الله ‑وهم الذين يُحلُّون الحلال ويُحرِّمون الحرام ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتولَّون قيادة الأمة وتوجيهها‑ بمن يركبون أعلى السفينة، وفي ذلك إشارة إلى علو مراتبهم، وعظيم مكانتهم؛ كما أن الراكبين في أعلى السفينة لهم العلو الحسي والمكان الرفيع.
كما أن فيه تشبيهَ الواقعين في الحدود والمنتهكين لها بِـمَن أصابوا أسفل السفينة؛ إشارة إلى انحطاطهم بهذه الفعال.
والحديث بعد ذلك من قبيل تشبيه التمثيل، الذي يُراد فيه تشبيه هيئَة بهيئة.. ففيه تشبيه الأمةِ كلها ‑وما يكون من بعض أفرادها من حفاظ على أحكام الشريعة وحدودها، وما يكون من البعض الآخر من انتهاك لتلك الحدود والأحكام، وما يترتب على ردع هؤلاء المجرمين والضرب على أيديهم من النجاة لجميع الأمة، أو على إهمالهم والسكوت عنهم من الهلاك لسائرها‑ بجماعة ركبوا سفينة... إلى آخره.
وبعد: فمن روعة التمثيل تمثيل المجتمع بالسفينة العائمة في خِضَمٍّ واسع عميق عرضَة للأعاصير الهوج، والأمواج المتلاطمة المتدافعة.
وما أدق التمثيل وما أروعه!! فالمجتمع في الحقيقة عرضة للتأثر باختلاف الأهواء والأغراض، وتباين النزعات والاتجاهات، واصطراع الأفكار والآراء، وأي تفريط من أهلها يؤدي بالسفينة إلى الغرق والغوص في متاهات الأعماق، وكذلك المجتمع: أي خطأ في الحساب والتقدير أو إفراط أو تفريط في التصرُّف؛ قد يؤدي به إلى الهلاك والرسوب والذل والتخلف أحقابًا من الزمان.
هذا إلى ما في التمثيل بالسفينة من بيان الحساسية البالغة، وحتمية التأثر بما يجري حولها، وفوقها، وفيها!!
وكذلك مثل أفراد المجتمع برُكَّاب السفينة، وربط حياتهم ببقائها، وهلاكهم بهلاكها؛ ولِـهَذا من التأثير النفسي ما له في الحفاظ عليها، والتضحية بكل شيء في سبيلها، ومن ذا الذي لا يرغب في الحياة ولا يكره الهلاك؟! فكما أن ركاب السفينة يحرصون على سلامتها؛ لارتباط حياتهم بحياتها وسيرها؛ فكذلك أفراد المجتمع يجب أن يحرصوا على مجتمعهم حرصَهم على حياتِهم.
المسألة الثالثة: ضرورة تكاتف أفراد الأمة لحراسة الفضيلة:
هذا الحديث الشريف يُقرر سنة من سنن الله سبحانه في الكون وأصلا من أصول الاجتماع، وهو تكافل أفراد الأمة، وتضامنهم، وتعاونهم في سبيل تثبيت دعائم الحق والخير والفضائل، والقيام على حراسة هذه الأصول والقضاء على أهل الباطل والشرور والرذائل، وإلا فلا قيام لحق، ولا استقرار لفضيلة، ولا دوام لعزة وسلطان.
والمراد بحدود الله: ما نهى الله عنه من المعاصي والمحرمات.
والمراد بالقائم على الحدود: الناهي عن المنكرات.
والمراد بالواقع فيها: العصاة وأهل الباطل والإفساد في الأرض، ومعنى استهموا: اقترعوا.
فمثل أهل الحق القائمين عليه وأهل الباطل الواقعين فيه: كمثل جماعة ركبوا سفينة توصلهم إلى مقصدهم وغايتهم، وقد اقترعوا على اقتسامها، فأصاب بعضهم ‑وهم أهل الحق‑ أعلاها، وأصاب بعضهم ‑وهم أهل الباطل‑ أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أحبوا أن يشربوا مَرُّوا على من فوقهم. فبدا لهم أن يخرقوا السفينة في نصيبهم كي يَستقُوا مِن غير أن يضارُّوا مَن فوقَهم. فإنْ ترَكَهم مَن هم في أعلاها يخرقوا السفينة في نصيبهم كي يستقوا من غير أن يضارُّوا مَن فوقَهم؛ لَم يلبث الماء أن يدخل جوفها فيغرق الجميع، وإن منعوهم وحالوا بينهم وبين ما يريدون؛ نجا مَن في أعلاها ونجا من في أسفلها.
كذلك أهلُ الحق مع أهل الباطل، فإنْ ترَك أهلُ الحق والإصلاح أهلَ الباطل والمعاصي يُفسدون ويملؤون الأرض جورا ومنكرات لا يلبثون أن يهلكوا جميعا.
وإن وقف أهلُ الحق لأهل الباطل بالمرصاد، وقَطعُوا عليهم سُبَل الشر والفساد، وضَرَبُوا على أيديهم بإقامة الحدود أو التعزير والتأديب؛ فقد نجوا جميعا؛ لأن المصلحون لم يُفرِّطوا في الأمانة التي ائتُمنوا عليها ‑وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحراسة الشريعة، والقيام على ذلك‑، وبذلك يحفظون على الأمة دينها واستقامتها، فتبقى قوية البنيان، عزيزة المنال، ظاهرة السلطان، وكانت جديرة بنصر الله الذي تكفل بنصر من ينصره ‑وهُم أهل الحق والإيمان‑.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أَمَر الله ‑عز وجل‑ المؤمنينَ ألَّا يُقِرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهُم الله بالعذاب، فيصيب الظالم وغير الظالم».
وروى أبو داود عن عدي بن عدي بن عميرة الكندي: عن العُرْسِ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عُمِلَت الخطيئَة في الأرض؛ كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها، ومَن غاب عنها فرضيها؛ كان كمن شهدها».
المسألة الرابعة: عاقبة السكوت عن المنكر والرضا به.
من البلايا العامة ‑ونعوذ بالله منها‑ أن تَشيع في الناس شائعة السكوت عن المنكر، بل الرضا عنه والطمأنينة إليه، حتى لقد أوشك أن يكون المعروفُ منكرا، والمنكرُ معروفًا، يقول الضعيف: "ليس لي من الأمر شيء"، ويقول القوي: "نحن في زمن الحرية، وكل امرئ وما يختار لنفسه"! وهكذا ضاعت الأمة بين اثنين كان عمر رضي الله تعالى عنه يبرئ إلى الله منهما: «جلد الفاجر، وضعف الثقة».
وكان حقا على الفريقين أن ينظروا في مغبة السكوت على المنكر وسوء عاقبته، وأنها لا تقف عند هلاك الظالمين خاصة.
وإذا كان من القسوة أن يَترُك المرءُ غيرَه للهلاك وهو قادر على دفعه عنه؛ فمن الحمق والسخف أن يُهلك نفسه معه طائِعًا مختارا!!
وإن لنا في الذين كفروا من بني إسرائيل لعبرة: لعنهم الله على لسان أنبيائهم، ومَقَتَهم؛ بتعدِّيهم حدود الله، وسكوتِهم عن المنكر.
قَصَّ اللهُ ذلك على رسوله، وبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، حتى لا يفعلوا فِعلَهم فيكونوا مثلهم، ثم ليعلموا أن النهي عن المنكر: حفاظ الدين، ورباط الآداب والفضائل.
رَوى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: أنه كان الرجلُ يَلقَى الرجلَ، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله؛ فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيلَه وشريبَه وقعيدَه! فلما فعلُوا ذلك؛ ضرب اللهُ قلوبَ بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ • كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «كلا والله، لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، ثم لتأخذن على يد الظالم، ولتأطرُنَّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا؛ أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم».
ولقد رأينا من آثار غضب الله ‑عياذا به‑: كالذي رأى بنو إسرائيل أو قريبا منه؛ فاللهم توبة وهداية، إنك على كل شيء قدير.
استدلال خطأ:
وطائفةٌ أخرى تتباطأ عن المنكر أن تدفعه وتنهى عنه، مستندة إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾!
وحسبنا أن نُذَكِّرَهم في هذه الآية بما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ صعد على منبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فحَمِد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس: إنكم لتتلون آية من كتاب الله سبحانه، وتعدونها رخصة! واللهِ ما أَنزَل اللهُ تعالى في كتابه أشد منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ...﴾ الآية. واللهِ لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنَّكم الله منه بعقاب».
فالترخيص في عدم النهي عن المنكر بهذه الآية: وضْعٌ لَها في غير موضعها ‑كما جاء في رواية أخرى عن الصديق رضي الله عنه‑، وإنما يلزم المرء نفسه بعد أن يُؤدِّي ما فرض الله تعالى عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير.
تم بحمد لله