الاحتفال بالمولد النبوي
اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية
مفتي الديار السعودية: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ‑رحمه الله‑
مفتي المملكة العربية السعودية: الشيخ عبدالعزيز ابن باز ‑رحمه الله‑
فضيلة الشيخ: محمد بن صالح ابن عثيمين ‑رحمه الله‑
سُئِلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
الاحتفال بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑، يُعقد اجتماع بهذه المناسبة والناس يتحدثون فيه عن حياة الرسول، يؤدون الصلاة ويَبوحون بنعت الرسول، ويُقرَأ السلام عليه عن ظهر قلب (انظر إلى صوَرٍ مِمَّا يُلقى عن ظهر قلب، الناس يقفون ويضعون أذرعهم على المدة ويلقون السلام على ظهر القلب).
فأجابت:
إقامة احتفال بمناسبة مولده ‑صلى الله عليه وسلم‑ لا يَجوز.
لكونه بدعة محدثة؛ لم يفعلْها رسولُ الله ‑صلى الله عليه وسلم‑، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرُهم من العلماء في القرون الثلاثة المفَضَّلة.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 6) السؤال الأول من الفتوى رقم (7136)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
مضمون السؤال: في ديارهم طريقة مروجة عند عامة المسلمين ‑وبعض من الخواص‑.
ينعقد مجلس لذكر ميلاد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ في كل سنة، فالأَوّل: يَقرأ القارئ آياتٍ من القرآن الكريم بحالة القعود، وبعدها بعض العلماء يُقرر في مولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ حتى يَجري التقرير إلى الاختتام ويقول: قوموا لوقت التعظيم أحمد.
(وللقيام عقيدتهم أن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ ليس مِن مثل البشر، بل هو نور من الله الذاتي، وهو حاضر وناظر في كل مكان، وأن يحضره بذاته في كل مجلس ميلاده، وهو يسمع كلامهم)، يقومون ويقولون معا:
يا نبي سلام عليك ... يا نبي سلام عليك
يا رسول سلام عليك ... يا حبيب سلام عليك
صلوات الله عليك
هل الطريقة المروجة المكتوبة: كانت مروجة في قرون الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أم لا؟
وذكر النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ بهذه الألفاظ واحترام الرسول عليه السلام عند ذكر ولادته: أمر حسن أم قبيح؟ سنة أم بدعة سيئة؟ وصواب أم شرك؟
بينوا ذلك بآثار الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
فأجابت:
أولا: إقامة مولد لرسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑: بدعة، مخالِفة لهديه ‑صلى الله عليه وسلم‑ وهدي خلفائه الراشدين، وصحابتِه ‑رضي الله عنهم‑ أجمعين.
وقد ثبت عن رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «مَن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
ولسماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز فتوى مُفَصَّلة في «حكم الاحتفال بمولد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑».
ثانيا: «اعتقاد أن الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ ليس كمثل البشر، بل هو نور من نور الله الذاتي»: ليس هذا الاعتقاد صحيحا.
لأنه مخالف للقرآن؛ فقد بيَّن اللَّهُ بشريَّته، وما يمتاز به على البشر: بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
والبشرُ مخلوقون؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ...﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
أما اللَّهُ جل وعَلا: فهو الأول الذي لا مَبدأ لأَوليَّتِه؛ بيَّن ذلك بقوله جل وعلا: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وسَمّى اللَّهُ نبيَّه نُورًا وسراجًا منيرا؛ لِمَا بعثه اللَّهُ به مِن الهدى والنور الذي هدى اللَّه به مَن أجاب دعوتَه ‑عليه الصلاة والسلام‑؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾.
ثالثا: «القول بأنه حاضر وناظر في كل مكان، وأنه يحضر بذاته في كل مجلس ميلاده، وهو يسمع كلامهم»: قول باطل.
رابعا: أما نداؤه والاستغاثة به وطلب المدَدِ والنَّصرِ منه: فهذا نوع مِن أنواع الشرك الأكبر؛ الذي لا يجوز فعله معه ‑صلى الله عليه وسلم‑ ولا مع غيره من المخلوقات.
لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وقولِه ‑عز وجل‑: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 9‑11)، فتوى رقم (2362)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
س1: مولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ عندنا هنا في شهر ربيع الأول أحد عشر يوما، يَعمل العلماء فرحا عن مولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑، يَجمعون المسلمين ويفعلون أشياء من الفرح ليوم مولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑.
وأما بعض العلماء فيقولون: لا خير في ذلك.
لذلك أريد أن أسأل: ما حكم ذلك؟ وهل عندكم تفعلون شيئا؟
س2: عن فرح مولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ في ذلك الشهر؟
فأجابت اللجنة:
إقامة مولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑: من الأمور المبتدعة.
وقد ثبت عن رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وهذا لم يفعله الرسول، ولم يأمر به، ولم يَرَ أحدًا فعلَه وسكت عنه.
ولا فعله خلفاؤُه مِن بعده.
وهكذا سلف الأمة في القرون الثلاثة المفضلة لم يفعلوه.
ثم ابتُدعت إقامته.
وقد كَتَب سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز جوابا مُطوَّلًا في ذلك.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 17‑22) الأسئلة الأول والثاني من الفتوى رقم (2747)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
ما حُكم الاحتفال بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ في شهر ربيع الأول ‑تعظيمًا له ‑عليه الصلاة والسلام‑؟
فأجابت اللجنة:
تعظيم النبي واحترامه: إنما هو بالإيمان بكل ما جاء به مِن عِند الله، واتّباع شريعته عقيدةً وقولًا وعملًا وخُلُقًا، وترك الابتداع في الدين.
ومن الابتداع في الدين: الاحتفال بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود .. عبدالله بن غديان .. عبدالرزاق عفيفي .. عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 23) السؤال الأول من الفتوى رقم (3257)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي وبليلة الإسراء والمعراج ‑بقصد الدعوة الإسلامية، وشعار الإسلام كما يُرى في أندونيسيا‑؟
فأجابت اللجنة:
قد دعا النبيُّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ إلى الإسلام بالقول والعمل والجهاد في سبيل الله، وهو أعرف بطريق الدعوة إليه ونشرها وإظهار شعائره، ولم يكن من هديه في الدعوةِ وإظهارِ شعائر الإسلام: الاحتفالُ بمولِده، ولا الاحتفال بالإسراء والمعراج، وهو الذي يَعرِفُ قَدرَ ذلك ويَقدُره قَدرَه.
وسَلَك أصحابُه ‑رضي الله عنهم‑ طريقَه، واهتدوا بهديه في الدعوة إلى الإسلام ونشرِه؛ فلم يَحتفلوا بذلك، ولا بنظائره من الأحداث الكبار.
ولا عُرِف الاحتفالُ بذلك عن أئمة الإسلام المعتبرين ‑أهل السنة والجماعة رحمهم الله‑.
وإنما عرف ذلك عن المبتدعة في الدين والغلاة فيه ‑كالرافضة وسائر فرق الشيعة وغيرِهم مِمَّن قل عِلمُه بالشرع المطهر‑.
فالاحتفال بما ذُكر بدعةٌ منكَرة؛ لمخالفته لهديِ رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ والخلفاءِ الراشدين وأئمةِ السلف الصالح في القرون الثلاثة المفضلة ‑رضي الله عنهم‑.
وقد ثَبَت عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «مَن أَحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وقال: «مَن عَمِل عَمَلًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال: «إِيَّاكُم ومُحدَثات الأمور؛ فإن كُلَّ مُحدَثَة بدعة، وكل بدعة ضلالة...» الحديث.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 24‑25) السؤال الحادي عشر من الفتوى رقم (3323)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟ وهل النبيُ ‑صلى الله عليه وسلم‑ يَحضُر؟
فأجابت اللجنة:
احترامُ النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ وتكريمه: إنما هو بالإيمان برسالته، والعمل بما جاء به مِن عند الله.
أما الاحتفال بمولده: فبدعة محدثة.
وقد ثَبَت عَن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال «مَن أحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
ولم يَثبُت أن النبيَّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ يَحضُر بعد وفاته عند أحد من الناس. والأصل: عدم ذلك؛ فيجب البقاء معه حتى يقوم دليل على رفعه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 28) السؤال الأول من الفتوى رقم (4683)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
هل يجوز اجتماع ومجالس ثاني عشر يوم ربيع الأول لذكر ميلاد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑؟
فأجابت اللجنة:
الاحتفال بمولد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ بدعة.
لأنه ‑صلى الله عليه وسلم‑ لم يفعله لنفسه، ولا أَمَر بفعله.
ولَمْ يفعلْه أحدٌ من الصحابة ‑رضي الله عنهم‑ له؛ وهم أحرص الناس على تعظيم الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ واتّباع سنته.
والخير كُلُّه في اتباع هديه؛ وقد قال ‑صلى الله عليه وسلم‑: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 30) السؤال الثالث عشر من الفتوى رقم (5005)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
ما حكم الوعظ في يوم مولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑؟
فأجابت اللجنة:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعريف الناس بدينهم، ووعظُهم بما يُرَقِّقُ قلوبَهم: مشروع في كل وقت؛ لورود الأمر بذلك مطلقا؛ دون تقييد بوقت معين.
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال سبحانه ‑في بيان حال المنافقين وموقف الدعاة منهم‑: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾... إلى غير ذلك من الآيات.
فأطلق اللَّهُ الأمرَ بذلك، ولم يَخصَّه بوقت.
ويتأكد الوعظ والإرشاد عند وجود ما يقتضيه، كخطب الجمع والأعياد؛ لثبوت ذلك عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑، وكرؤية منكر؛ لقوله ‑صلى الله عليه وسلم‑ «مَن رَأَى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه».
وليس مولدُ النبيِّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ في يومٍ: مِن مقتضيات تخصيص ذلك اليوم بقربة مِن القربِ أو وعظٍ وإرشادٍ أو قراءةِ قصةِ المولد.
لأن النبيَّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ لَم يَخصَّه بذلك، ولو كان في تَخصيصِه بذلك خيرٌ؛ لكان ‑صلى الله عليه وسلم‑ أولى به وأحرص عليه، لكنه لم يفعل؛ فدل على أن تخصيصه بالوعظ أو بقراءة قِصَّة المولد أو بأي عبادة: مِن البدع.
وقد ثَبت عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ»، وفي رواية «مَن عَمِل عَمَلا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وكذا أصحابه لم يفعلوا ذلك؛ وهم أعرف وأعلم بالسنة وأحرص على العمل بها ‑رضي الله عنهم جميعا‑.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 31‑32) السؤال الأول من الفتوى رقم (5591)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
ما حُكم اجتماع الناس للمولد؟
مع زعمهم أن النبيَّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ يحضر مجالسهم؟ وهل هذا الاجتماع يصح شرعا؟ وماذا ينبغي لنا أن نفعل في يوم مولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑؟ ومتى وُلِد ‑مِن أي يوم، وأي شهر، وأي سَنَة‑؟
وهل النبيُّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ حَيٌّ في قبره الآن أم لا؟
فأجابت اللجنة:
اجتماعُ الناس لإحياء ليلة المولد وقراءةِ قِصَّتِه: ليس مشروعا، بل هو بدعةٌ مُحدَثة.
وزعمُهم أن النبيَّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ يَحضُر مجالسَهم: كَذِب.
والنبيُّ ‑صلى الله عليه وسلم‑: حَيٌّ في قَبرِه حياةً برزخية ‑يَتمتَّع فيها بنعيم الجنة‑، وليست كحياتِه في الدنيا؛ فإنه قد تُوفي، وغُسِّلَ، وكُفِّن، وصُلِّيَ عليه صلاةَ الجنازة، ودُفِن ‑كغيره‑. وهو أَوَّلُ مَن يُبعَثُ مِن قبره يومَ القيامة.
وقد قال الله تعالى ‑مُخاطِبًا إيَّاه‑: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، وقال سبحانه ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 34‑35)]
العودة للأعلى
وسُئلَت اللجنة الدائمة، للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية:
هل يجوز حضور الاحتفالات البدعية ‑كالاحتفال بليلة المولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان‑ لمن يعتقد عدم مشروعيتها لبيان الحق في ذلك؟
فأجابت اللجنة:
أولًا: الاحتفال بهذه الليالي: لا يجوز. بل هو من البدع المنكرة.
ثانيًا: غِشْيانُ هذه الاحتفالات وحضورُها؛ لإنكارها وبيان الحق فيها وأنها بدعة لا يجوز فعلُها: مشروع. ولاسيما في حَق مَن يَقوَى على البيان، ويغلب على ظنه سلامتُه مِن الفتن.
أما حضورها للفرجة والتسلية والاستطلاع: فلا يجوز.
لما فيه مِن مشاركة أهلها في منكرِهم، وتكثيرِ سوادهم، وترويج بدعتهم.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 37‑38) فتوى رقم (6524)]
العودة للأعلى
وسُئِلَ مفتي الدّيار السعودية: الشيخ محمد بن إبراهيم ‑رحمه الله‑:
مجمع الموالد، والجلوس فيها، ثم القيام فيها، وإيقاد العود واللبان، وفرش البساط... وغير ذلك؛ هل هذا جائز؟ أو منهي عنه؟ وكذلك تعيين يوم معلوم لذلك؟
فأجاب ‑رحمه الله‑:
الحمد لله.
إقامة الموالد وذكريات الأيام والأحداث والوقائع: مِمَّا شرعه النصارى واليهود؛ وقد نُهِينَا عَن أعياد أهلِ الكتاب والأعاجم؛ لِمَا في ذلك من الابتداع، ومشابَهةِ الكُفَّار.
وسائرُ ما استُحدِث مِن الأعياد والمواسم مُنكَرٌ مستَكرَه ‑حتى وإن لم تكن فيه مشابهة لأهل الكتاب والأعاجم‑؛ لدخوله في مُسمَّى البدع والمحدثات ‑حتى ولو كانت إقامتها لذكرى مولد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑.
ذلك لأن «الأصل في العبادات: أن لا يُشرع منها إلا ما شرعه اللَّهُ تعالى. والأصل في العادات: أن لا يُحظَر منها إلا ما حظَره».
وأصل الضلال في الأرض: إنما قام على اتّخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم ما لم يُحَرِّمْه.
ومِن هُنا؛ بَنَى الأئمة انقسام الأعمال إلى عبادات تُتَّخَذُ دينًا، وعاداتٍ يُنتفع بها. والأصل في العبادات: أن لا يُشرع منها إلا ما شَرَعه اللَّهُ تعالى. والأصل في العادات: أن لا يُحظَر منها إلا ما حظَره.
والمواسم المحدثة إنما استُكرهت وأُنكرَت ونُهِيَ عنها؛ لِمَا يَحدُث فيها مِمَّا يُتقرَّب به كدين، ولدخولها في مسمى البدع والمحدثات.
وقد روى مسلم في «صحيحه» عن جابر عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه كان إذا خطب يقول: «أما بعد: فإن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هَديُ محمَّد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». وروى مسلم كذلك في «الصحيح»، عن عائشة ‑رضي الله عنها‑، عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ». وفي حديثٍ صحيح: من رواية أهل السنن أنه ‑صلى الله عليه وسلم‑ قال: «إيَّاكم ومُحدَثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة».
وكما أن هذه القاعدة: مَدلولُ السنة ومدلول الإجماع؛ فهي كذلك مدلول كتاب الله تعالى؛ قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ فمن نَدَب إلى شيءٍ يُتقرب به، أو أوجبه بقول أو فعل، من غير أن يشرعه الله؛ فقد شَرَعَ مِن الدين ما لم يأذن به الله.
ومن اتَّبعه في ذلك؛ فقد اتخذه شريكًا لله فيما أوجبَه عليه من طاعة.
ومَن أطاع أحدًا في دين لم يأذن به الله ‑مِن تَحليلٍ أو تحريمٍ أو استحباب أو إيجاب‑؛ فقد لَحِقَه مِن الإثم ما يلحق الآمِرَ النَّاهي؛ أخذًا مِن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ...﴾ الآية، وقد أُثِر في تفسيرها: أن عَدِيَّ بنَ حاتم قال للنبي ‑صلى الله عليه وسلم‑: يا رسولَ اللَّهِ: ما عبدوهم. قال: «ما عبدُوهم؛ ولكن أَحلَّوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحَرَّموا عليهم الحلال فأطاعوهم».
هذا؛ و«الذهاب إلى انقسام البدع والمحدثات إلى حسن وقبيح ‑أَخْذًا مِن قَول عُمَر في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه"، واستدلالًا بما حدَث بعد رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ من الأقوال والأفعال مِمَّا استُحسِن ولم يُستكرَه؛ أخذًا من الأدلة الدالة عليه من الإجماع والقياس»: الذهاب إلى ذلك‑: مدفوع بإطلاق نَصِّ رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ «وشَرّ الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة».
فلا يَحِلُّ لأحد أن يُقَيِّدَ إِطلاق دلالة هذا النصّ. والمنازِع في ذلك مراغِم.
على أنه يُقال: «ما ثَبت حُسْنُه: فليس مِن البدع»؛ فيبقى العموم محفوظًا لا خصوص فيه.
أو يُقال: «ما ثبت حُسنُه: مَخصوصٌ مِن هذا العموم»؛ فيبقى فيما عداه على عُمومِه.
والمخصِّصُ: إنما هو الدليل الشرعي مِن الكتاب والسنة والإجماع نصًا واستنباطًا، لا عادات بعض البلاد، ولا الأقوال، ولا الآراء ‑مهما كثر أصحابُها‑؛ فإن شَيئًا مِن ذلك لا يَنهض أبدًا، ولا يَصلُح معارِضًا لكلام الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑.
وعلى هذا؛ فتخصيص يومٍ من الأيام وتمييزُه على غيره بشيء من الطاعات: أَمْرٌ توقيفي؛ إنما يُصار في معرفته إلى الشريعة المطهرة. ولم تخصص الشريعة يومًا من الأيام باتخاذه عيدًا للإسلام: سوى يومي العيدين (عيد الفطر، وعيد النحر وما يَتبعه من أيام التشريق الثلاثة)، وسوى العيد النسبي (وهو يوم الجمعة؛ فإنه عيدُ الأسبوع)؛ فليس للمسلمين أن يَتَّخِذُوا عِيدًا سواها.
على أن الوقائع المتعددة ‑وأبرزها «الهجرة» و«الفتح»‑: لم تُتخَذْ أعيادًا؛ فاتخاذ الذكريات والموالد أعيادًا: حَدَثٌ في الإسلام مُنكَر مُستكرَه؛ لم يشرعْه اللَّهُ، وليس من دين الحق في شيء.
ولو كانت إقامتها خيرًا محضًا أو راجحًا؛ لسارع إليها السلفُ الصالح؛ فإنهم كانوا أحرصَ الناس على الخير ‑أخذًا به وسبقًا إليه‑.
ولو كانت إقامةُ الْمَوالِد للنبيِّ ‑صلى الله عليه وسلم‑: مِن أعلام حُبِّه أو تعظيمه؛ لأقاموها؛ فإنهم كانوا أعلمَ الناس بما يصلح له ‑صلى الله عليه وسلم‑، ومِن أشدِّهم تعظيمًا له وحُبًّا فيه؛ ولو كانت خيرًا لسبقونا إليها.
لكنه لم يُؤثَر شيءٌ من ذلك أصلًا عن أحد من خلفائه أو صحابته أو أئمة آلِه المرضِيِّين المهديين.
وإنما الذي أُثِر عنهم: هو ما عَرفُوه مِن الحق: مِن مَحبَّتِه، وتعظيمه، وهو متابعته، وطاعته، وإحياء سنته ونشر ما بُعِث به. وهذه هي طريقة السابقين الأولِّين مِن المهاجرِين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (3/ 48‑51) مطابع الحكومة]
العودة للأعلى
وكَتَبَ مفتي الدِّيار السعودية: الشيخ محمد بن إبراهيم ‑رحمه الله‑:
مِن: محمد بن إبراهيم، إلى المكرم: عبدالرحمن بلوشي ‑سَلَّمَه الله‑.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد جرى اطلاعُنا على استفتائِك الموجَّه إلينا بخصوص مجموعة مسائل:
إحداها سؤالك عن: حُكم الاحتفال بمولد النبيِّ ‑صلى الله عليه وسلم‑؟ وهل فَعَلَه أحد مِن أصحابه أو التابعين وغيرِهم مِن السلف الصالح؟
الجواب:
لا شَكَّ أن الاحتفال بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ مِن البدع المحدثة في الدين، بعد أن انتشر الجهل في العالَم الإسلامي، وصارَ للتضليل والإضلال والوهم والإيهام مجال؛ عَمِيت فيه البصائر، وقَوِي فيه سلطان التقليد الأعمى، وأصبح الناس في الغالب لا يرجعون إلى ما قام الدليل على مشروعيته؛ وإنما يرجعون إلى ما قاله فلان وارتضاه عَلان!
فلم يكن لهذه البدعة المنكرة أَثَرٌ يُذكَر لدى أصحاب رسول الله، ولا لدى التابعين وتابعيهم.
وقد قال ‑صلى الله عليه وسلم‑: «عليكُم بسنَّتِي وسنة الخُلَفاء الراشدين المهديين مِن بَعدي، تَـمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإِيَّاكُم ومُحدثات الأمور؛ فإنَّ كُلَّ مَحدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
وقال أيضًا: «مَن أَحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «مَن عَمِل عَملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وإذا كان مَقْصِدُهم مِن الاحتفال بالمولد النبويِّ تَعظِيمُ رَسُولِ الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ وإِحياءُ ذِكْرِه؛ فلا شَكَّ أن تَعزيرَه وتوقيرَه يَحصُل بغير هذه الموالد المنكرة وما يصاحبها مِن مفاسد وفواحش ومنكرات!
قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾؛ فذِكْرُه مَرفوعٌ في الأذان والإقامة والخُطَب والصلوات، وفي التشهد والصلاةِ عليه في الدعاء، وعند ذِكره؛ فلقد صح عنه ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «البخيلُ مَن ذُكِرتُ عنده فلَم يُصَلِّ علَيّ».
وتَعظيمه يَحصُل: بطاعته فيما أمر، وتصديقِه فِيما أخبر، واجتنابِ ما نَهَى عنه وزجر، وأَلاَّ يُعبَد الله إلا بما شرع.
فهو أَجَلُّ مِن أَن تكون ذِكراه سَنويَّة فقط.
ولو كانت هذه الاحتفالات خيرًا محضًا أو راجحًا؛ لكان السلف الصالح ‑رضي الله عنهم‑ أَحَقَّ بِها مِنَّا؛ فإِنَّهُم كانوا أَشَدَّ مِنَّا مَحبَّة وتعظيمًا لرسُول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑، وهم على الخير أحرص.
ولكن قد لا يتجاوز أمر أصحاب هذه الموالد ما ذكره بعض أهل العلم: من أن الناس إذا اعتَرَتْهُم عوامل الضعف والتخاذل والوهن؛ راحُوا يُعظِّمون أئمتهم بالاحتفالات الدورية دون تَرَسُّم مسالكهم المستقيمة؛ لأن تعظيمهم هذا لا مشقة فيه على النفس الضعيفة.
ولاشك أن التعظيم الحقيقي: هو طاعة المعظَّم، والنصح له، والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمرُه ويَعتزُّ بها دينُه (إن كان رسولًا) ومُلْكُه (إن كان مَلِكًا).
وقد كان السلفُ الصالح أشدَّ مِمَّن بَعدَهُم تعظيمًا للنبي ‑صلى الله عليه وسلم‑، ثُم للخلفاء الراشدين مِن بعده، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسِهم في هذا السبيل! إلا أن تعظيمَهم رسولَ الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ وخلفاءَه الراشدين: لم يكن كتعظيم أهل هذه القرون المتأخرة ‑مِمَّن ضاعت منهم طريقة السلف الصالح في الاهتداء والاقتداء، وسَلَكوا طريق الغواية والضلال في مظاهر التعظيم الأجوف‑.
ولا ريب أَنَّ الرسولَ ‑صلى الله عليه وسلم‑ أَحق الخلق بكل تعظيم يناسبه. إلا أنه ليس مِن تعظيمِه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به!
كما أنه ليس مِن تعظيمه ‑عليه الصلاة والسلام‑ أَن نصرف له شيئًا ‑مِمَّا لا يصلح لغير الله‑ مِن أنواع التعظيم والعبادة.
و«حُسْنُ النية: لا يُبِيحُ الابتداع في الدين»؛ فقد كان جُلُّ ما أَحدَث أَهلُ الملل قبلَنا مِن التغيير في دينِهم: عَن حُسْن نِيَّة، وما زالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسنِ النية؛ حتى صارت أديانُهم غيرَ ما جاءت به رُسلُهم.
ولو تساهل سلفُنا الصالح ‑كما تساهلوا وكما تساهل الخلف‑؛ لضاع أصل ديننا أيضًا، ولكن السلف الصالح حَفِظُوا لنا الأصل؛ فالواجب علينا أن نرجع إليه ونَعَضَّ عليه بالنواجذ.
والخلاصة أن الاحتفال بالموالد: مِن البدع المنكرة.
وقد كتبنا فيها رسالة مستقلة، فيها مزيد تفصيل، نزوِّدكم بصورة منها للانتفاع.
والله وَلِيُّ التوفيق.
الثانية: ذِكْرُك عَمَّا يقولُه بعض الجهَّال والمضلِّلِين: مِن «أن الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑ يَحضُر الاحتفالات بمولده».
وهذا من أبطل الباطل، ومما لا يَتَّسِع له عقل عاقل.
الثالثة: سُؤَالُك عن: حكم هذه الموالد؟ وهل يجوز الاشتراك فيها؟ والإنفاق عليها؟
وقد مَرَّ الجوابُ عن حكم هذه الموالد ‑في معرض جوابنا عن المسألة الأولى‑.
أما الاشتراك فيها: بالحضور، والإنفاق عليها، ونحوها؛ فقد سبق لنا القول بأنَّها بِدعة، وأَنَّ «كُلَّ بدعةٍ ضلالة»؛ فحضورها ضلال.
والإنفاقُ عليها، أو المشاركة في الإنفاق عليها: مشاركةٌ في الضلال والإضلال وإشاعةِ الفحشاءِ والمنكر.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (3/ 54‑57) مطابع الحكومة]
العودة للأعلى
وكَتَبَ مفتي الدِّيار السعودية: الشيخ مُحَمَّد بن إبراهيم ‑رحمه الله‑:
مِن محمد بن إبراهيم. إلى حضرة المكرم: إبراهيم بن محمد بن حمد ‑سلَّمه الله‑.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إلينا كتابُك الذي تستفي به عن المسائل الآتية:
المسألة الأولى: عن حكم الاحتفال بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ وهِجرَتِه، وغير ذلك مِمَّا ذكرتم في كتابكم.
والجواب: الحمد لله.
لم يكن الاحتفال بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ مشروعًا ولا معروفًا لدى السلفِ الصالح ‑رضوان الله عليهم‑، ولم يفعلوه مع قيام المقتضي له وعدمِ المانعِ منه.
ولو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ فهم أَحَقُّ بالخير، وأَشَدُّ مَحَبَّة للرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑، وأَبلَغ تعظيمًا له، وهم الذين هاجروا معه وتركوا أوطانهم وأموالَهم وأهليهم، وجاهدوا معه حتى قُتِلُوا دونَه، وفَدَوه بأنفسهم وأموالِهم ‑رضي اللَّهُ وأرضاهم‑.
فلمَّا كان غيرَ مَعروفٍ لدى السلفِ الصالح، ولم يفعلوه ‑وهم القرون المفضَّلة‑؛ دَلَّ على أنه بدعةٌ مُحدَثة.
وقد روى مسلم في «صحيحه» مِن حديث جابر ‑رضي الله عنه‑ أن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ كان يقول: «أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله وخير الهدي هديُ محمد ‑صلى الله عليه وسلم‑، وشرّ الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة».
ورَوَى أصحابُ السُّنَن: عن العرباض ابن سارية: عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «فعليكم بسنتي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديين مِن بعدي، تَمسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومُحدثَاتِ الأُمور؛ فإن كل بدعة ضلالة».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا يحل لأحد أن يُقابِل هذه الكلمة الجامعة (من رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ الكلية وهي قولُه: «كل بدعة ضلالة») بسلب عمومِها، وأن يقال: «ليست كُلُّ بدعة ضلالة»؛ فإن هذا إلى مُشَاقَّة الرسول: أَقرَبُ منه إلى التأويل.
وقال: «إِنَّ قَصدَ التعميم المحيط: ظاهرٌ مِن نَصِّ الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ بهذه الكلمة الجامعة؛ فلا يُعدَل عن مقصوده».
وعن عائشة ‑رضي الله عنها‑ أن رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ قال: «مَن أَحدَث فِي أَمرِنَا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ» متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «مَن عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أَمرُنا فهو رَدّ».
تَعرِف بذلك: أن هذا العمل (لَمَّا كان مخالفًا لما جاء به الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ فهو:) مردودٌ على صاحبِه؛ لأنه مُحدَث: لم يكن عليه عَمَلُ الرسولِ ‑صلى الله عليه وسلم‑ وخلفائِه الراشدين وأصحابِه السابقين الأولين مِن المهاجرين والأنصار والذين اتَّبَعُوهم بإحسان ‑رضي الله عنهم‑.
إذا عُرِف هذا؛ فالاحتفال بالمولد: بدعة، مُحدَثٌ، مردود على فاعله.
وهو يَختلِف بحسب ما يُعمَل فيه مِن البِدَع والمحرمات:
1. فإن خَلا مِن المحرمات عُمومًا، واقتُصِر فيه على عَمَل الدَّعوَة مِن طَعام وشراب وطِيبٍ، ولَم يَحضُره مُردَان، ولا اختلَط الرجالُ بالنسوان، واعتَقَد فاعلُه أَنَّ هذا مِن الدين الذي يُتقرَّب به إلى رَبِّ العالمين؛ فهذا بدعة مُحدَث مَردُودٌ على فاعله.
2. وإن انضمَّ إلى ذلك ما يفعله كثير مِمَّن يُقِيمُون الاحتفالات بالموالد ‑مِن استعمال الأغاني وآلات الطرب، وقِلَّةِ احترامِ كتاب الله تعالى (فإنهم يَجمعُون في هذه الاحتفالات بينَه وبين والأغاني، ويبدؤون به، وقصدُهم الأغاني، ولذلك ترى بعض السامعين إذا طَوَّل القارئُ القراءَة يَمَلُّون ويَتَثاقلون منه لكونه طَوَّل عليهم)، وكذلك الافتتان بالمردان (فإن الذي يُغَنِّي في الاحتفالات رُبما يكون شابًا لطيف الصورة حسن الهيئة؛ فتجدهم يَتثنَّون ويَتكسَّرون في مِشيتهم وحركاتهم، ويرقصون ويتعانقون؛ فتأخذهم أحوال النفوس الرديئَة، ويَتمكَّن منهم الشيطانُ، وتقوى فيهم النفسُ الأمَّارةُ بالسوء والعياذ بالله من ذلك)، وكذلك ما يَحضُره من النساء وافتتان الرجال بهن، وتطلُّعِهم إليهنّ، وسَماع أصواتِهنّ وتصفيقهن... وغير ذلك مِمَّا يكون سببًا لوقوع مفاسد عظيمة... إلى غير ذلك مِن الفتن والمفاسد التي لا تخفى على مَن عَرَف أحوالَهم؛ [...].
وهذه البدعة: أَوَّلُ من أحدثها أبو سعيد كوكابوري بن أبي الحسن علي بن باتكين في القرن السادس الهجري.
ولم يزل العلماء المحقِّقُون يَنهون عنها، ويُنكِرون ما يقع فيها من البدع والمحرمات منذ حدثت حتى الآن، وإليك بعض ما قالوا:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي يُنهَى عنها، ولا يَستحِب ذلك إلا جاهل أو زنديق».
وقال العلامة تاج الدين عُمَر بن علي اللخمي السكندري ‑المشهور بالفاكهاني في رسالته في المولد المسماة ﺑ«المورِد في الكلام على المولد» قال في النوع الخالي من المحرمات‑:
«لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتابٍ ولا سنة، ولم يُنقل عَمَلُه عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين.
بل هو بدعة أحدثها البَطَّالُون، وشهوة اعتنى بها الأَكَّالون.
بدليل أَنَّا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة: إما أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا:
فليس بواجب إجماعًا.
ولا مندوبًا؛ لأن حقيقة المندوب: «ما طلبه الشرع، مِن غير ذَمٍ على تركه»، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فَعَلَه الصحابةُ ولا التابعون ولا العلماء المتدينون ‑فيما عَلِمتُ‑. وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت.
ولا جائز أن يكون مباحًا بإجماع المسلمين.
فلم يَبقَ إلا أن يكون مكروهًا أو مُحرَّمًا».
ثم صَوَّرَ الفاكهاني نوع المولد الذي تكلم فيه بما ذكرناه: بأن يعمل رَجلٌ مِن عَين مالِه لأهله وأصحابِه وعيالِه، ولا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئًا من الآثام... وقال: «فهذا الذي وصفناه بأنه بدعةٌ مكروهٌ وشناعة؛ إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام»...
إلى أن قال الفاكهاني في النوع الثاني من المولد: «وهو أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، لاسيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء ‑مع البطون الملأى‑ بآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشبان المرد والنساء الفاتنات: إما مختلطات بهم، أو مشرفات، ويرقصن بالتثني والانعطاف والاستغراق في اللهو.
وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذو المروءة من الفتيان.
وإنما يحلو لنفوسِ موتى القلوب، وغيرِ المستقلين من الآثام والذنوب.
وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات! فإنا لله وإنا إليه راجعون».
وقال ابن الحاج في "المدخل": إن نية المولد بدعة، ولو كان الاشتغال في ذلك اليوم بقراءة «صحيح البخاري».
وقال ابن حجر الهيثمي في «الفتاوى الحديثية»: إن الموالد التي تُفعل عندهم في زمنه أكثرها مشتمل على شرور، ولو لم يكن منها إلا رؤية النساءِ الرجالَ الأجانب لكفى ذلك في المنع»...
وذَكَر أنَّ مَا يوجد في تلك الموالد من الخير لا يُبررها مادامت كذلك؛ لِلقاعدة المشهورة: "دَرءُ المفاسد مقدم على جلب المصالح" [اهـ].
وأما كونهم يرون أن من لم يفعل هذا فهو مقصر بحقوق النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ ومتنقص له.
فجوابه: وأيُّ تعظيم للنبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ في هذه الاحتفالات التي وصفها العلماء بما تَمجُّه الأسماع، وتنفر منه سليمة الطباع؟!
أليس المرجع في تعظيم النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ وتوقيره إلى ما يفعله به أصحابه وأهل بيته، وما فعله التابعون وتابعوهم بإحسان المشهود لهم بالخير؟!
وقد تقدم قولُه ‑صلى الله عليه وسلم‑: «كلّ بدعة ضلالة».
وقولُه: «مَن أَحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وعن حذيفة ‑رضي الله عنه‑: «كل عبادةٍ لم يتعبَّدها أصحاب محمد ‑صلى الله عليه وسلم‑ فلا تعبدوها؛ فإن الأول لم يترك للآخر مقالًا».
وأَيضًا فأكثر ما يُقصد من تلك الاحتفالات التي تُقام للرؤساء ونحوهم: إنما هو الذكرى وبقاء أسمائهم، والنبيُّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ قد أُعطيَ من ذلك ما لم يُعطَه أحدٌ غيره؛ فقد رَفَع اللهُ له ذكره دائمًا؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ● وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ● الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ● وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾؛ فذِكْره ‑صلى الله عليه وسلم‑ مرفوعٌ ومقرون بذكر رَبِّه ‑كما في الأذان والإقامة وخطبة الجمعة وغيرها، وفي الصلوات، وفي التشهد، وغيرها؛ فهو ‑صلى الله عليه وسلم‑ أجَلُّ مِن أن تكون ذِكراه سنويةً فقط.
وقال السيد محمد رشيد رضا في كتابه «ذكرى المولد النبوي»: «إن مِن طِباع البشر: أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين والدنيا في طَور ضعفهم في أمر الدين والدنيا؛ لأن هٰذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس، فيعملونه بدلًا مِمَّا يَجب عليهم من الأعمال الشاقَّة التي يقوى بها أمر المعَظَّم ويَعتزُّ بها دينُه.
وقد كان السلف الصالح أشد مِمَّن بعدهم تعظيمًا للنبي ‑صلى الله عليه وسلم، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسِهم في هذا السبيل‑، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللِّسَاني.
ولاشك أن الرسول الأعظم ‑صلى الله عليه وسلم‑ أحق الخلق بكل تعظيم. وليس مِن تعظيمه أن يُبتدَع في دينه شيء نُعظِّمه به ‑وإن كان بحسن نية‑؛ فقد كان جُلُّ ما أَحدَث أهلُ المِلَل قبلنا من التغيير في دينهم عن حُسنِ نية، ومازالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم، ولو تساهل سلفنا الصالح (كما تساهلوا وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع)؛ لضاع أصل ديننا أيضًا، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل، فعلينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ» انتهى.
وفيما ذكرنا كفاية لإيضاح حكم الاحتفالات بالموالد، وبيان مايفعل فيها من البدع والمفاسد.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (3/ 57‑63) مطابع الحكومة]
العودة للأعلى
وكَتَب مفتي عام المملكة العربية السعودية: الشيخ عبدالعزيز ابن باز ‑رحمه الله‑:
حكم الاحتفال بالموالد النبوية وغيرها
الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:
فقد تكرر السؤالُ مِن كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑، والقيام له في أثناء ذلك, وإلقاء السلام عليه... وغير ذلك مِمَّا يفعل في الموالد.
والجواب أن يقال:
لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ ولا غيرِه.
لأن ذلك مِن البِدَع المحدَثَة في الدين; لأن الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ لم يفعله, ولا خلفاؤُه الراشدون, ولا غيرُهم من الصحابة ‑رضوان الله على الجميع‑, ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة ‑وهم أعلم الناس بالسنة, وأكمل حُبًّا لرسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ ومتابعةً لشرعه مِمَّن بَعدهم‑.
وقد ثَبت عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «مَن أَحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أي: مردود عليه. وقال في حديث آخر: «عليكم بِسُنَّتِي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
ففي هذين الحديثين: تحذير شديد من إحداث البِدَع والعَمَل بها.
وقد قال ‑سبحانه وتعالى‑: في كتابه المبين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال ‑عز وجل‑: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ... والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وإحداث مثل هذه الموالِد: يُفهم منه أن الله سبحانه لم يُكمل الدين لهذه الأمة, وأن الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑ لم يُبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به؛ حتى جاء هؤلاء المتأخِّرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به؛ زاعمين أن ذلك مِمَّا يُقَربهم إلى الله. وهذا بلا شك فيه خطر عظيم, واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله ‑صلى الله عليه وسلم‑، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين, وأتم عليهم النعمة.
والرسولُ ‑صلى الله عليه وسلم‑ قد بَلَّغ البلاغَ المبين, ولم يترك طريقًا يُوصِل إلى الجنة, ويُباعد من النار إلا بيَّنه للأمة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبدالله بن عَمْرو ‑رضي الله عنه‑ قال: قال رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑: «ما بعث اللَّهُ مِن نَبِيِّ؛ إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم» رواه مسلم في «صحيحه».
ومعلوم أن نبيَّنا ‑صلى الله عليه وسلم‑ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم, وأكملهم بلاغا ونصحا, فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبيَّنَه الرسولُ ‑صلى الله عليه وسلم‑ للأمة, أو فعله في حياتِه, أو فعله أصحابُه ‑رضي الله عنهم‑. فلما لم يقع شيءٌ مِن ذلك؛ عُلِم أنه ليس من الإسلام في شيء. بل هو من المحدثات التي حَذَّر الرسولُ ‑صلى الله عليه وسلم‑ منها أُمَّته؛ كما تقدم ذكر ذلك في الحديثين السابقين، وقد جاء في معناهما أحاديث أُخَر: مثلُ قولِه ‑صلى الله عليه وسلم‑ في خطبة الجمعة: «أما بعد: فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد ‑صلى الله عليه وسلم‑، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام مسلم في «صحيحه».
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها؛ عَملا بالأدلة المذكورة وغيرها.
وخالف بعضُ المتأخرين؛ فأجازها إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات (كالغلو في رسولِ الله ‑صلى الله عليه وسلم‑، وكاختلاط النساء بالرجال, واستعمال آلات الملاهي, وغير ذلك مِمَّا ينكره الشرع المطهر), وظَنُّوا أنها من البدع الحسنة.
والقاعدة الشرعية: «ردُّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد ‑صلى الله عليه وسلم‑»؛ كما قال الله ‑عز وجل‑: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
وقد رددنا هذه المسألة ‑وهي الاحتفال بالموالد‑ إلى كتاب الله سبحانه؛ فوجدناه يأمُرنا باتِّباع الرسولِ ‑صلى الله عليه وسلم‑ فيما جاء به, ويُحَذِّرنا عما نهى عنه, ويُخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينَها, وليس هذا الاحتفال مِمَّا جاء به الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأَمرَنا باتباع الرسول فيه.
وقد رددنا ذلك أيضا إلى سنة الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑؛ فلم نجد فيها أنه فَعله, ولا أَمَر به, ولا فَعلَه أصحابُه ‑رضي الله عنهم‑؛ فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين, بل هو من البدع المحدثة, ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم.
وبذلك يَتَّضِح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق وإنصاف في طلبه: أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام, بل هو من البدع المحدثات التي أمر الله سبحانه ورسوله ‑صلى الله عليه وسلم‑ بتركها والحذر منها.
ولا يَنبغي للعاقل أن يغتر بكثرة مَن يَفعله مِن الناس في سائر الأقطار؛ فإن الحقَّ لا يُعرف بكثرة الفاعلين, وإِنَّمَا يُعرف بالأدلة الشرعية؛ كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ الآية.
ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد ‑مع كونها بدعة‑: لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى: كاختلاط النساء بالرجال, واستعمال الأغاني والمعازف, وشرب المسكرات والمخدرات, وغير ذلك من الشرور.
وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك, وهو الشرك الأكبر, وذلك بالغلو في رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ ‑أو غيره من الأولياء‑ ودعائِه والاستغاثة به, وطلبه المدد, واعتقاد أنه يعلم الغيب, ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ وغيره مِمَّن يسمونهم بالأولياء.
وقد صَحَّ عن رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «إِيَّاكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلو في الدين»، وقال ‑عليه الصلاة والسلام‑: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابنَ مَريَم؛ إنما أنا عبد؛ فقولوا عبدالله ورسوله» خرجه البخاري في «صحيحه» مِن حديث عُمَر ‑رضي الله عنه‑.
ومن العجائب والغرائب: أن الكثير من الناس يَنشط ويَجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة, ويدافع عنها؛ ويتخلف عَمَّا أوجب الله عليه من حضور الْجُمَع والجماعات! ولا يرفع بذلك رأسا!! ولا يرى أنه أتى منكرا عظيما!!!
ولا شك أن ذلك مِن ضَعف الإِيمان، وقلةِ البصيرة, وكثرةِ ما ران على القلوب مِن صُنوف الذنوب والمعاصي ‑نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين‑.
ومن ذلك: أن بعضهم يظن أن رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ يَحضر المولد! ولهذا يقومون له محيين ومرحبين!
وهذا من أعظم الباطل, وأقبح الجهل؛ فإن الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ لا يَخرجُ مِن قبره قبل يوم القيامة, ولا يَتَّصل بأحد من الناس, ولا يحضر اجتماعهم. بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة, ورُوحه في أعلى عليين عند رَبّه في دار الكرامة؛ كما قال الله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾، وقال النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑: «أنا أول مَن يَنشَقُّ عنه القبرُ يوم القيامة، وأنا أول شافع، وأول مُشفَّع» ‑عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام‑.
فهذه الآية الكريمة, والحديث الشريف, وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث, كلها تدل على أن النبِيَّ ‑صلى الله عليه وسلم‑ وغيرَه من الأموات: إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة. وهذا أمر مُجمع عليه بين علماء المسلمين؛ ليس فيه نزاع بينهم.
فينبغي لكل مسلم التَّنبُّه لهذه الأمور, والحذر مِمَّا أحدثه الجهالُ وأشباهُهم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان. والله المستعان, وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلا به.
أما الصلاة والسلام على رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑: فهي من أفضل القُربات، ومن الأعمال الصالحات.
كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑: «مَن صَلَّى علَيَّ واحدة؛ صَلَّى اللَّهُ عليه بها عشرا».
وهي مشروعة في جميع الأوقات. ومُتَأَكِّدَة في آخر كل صلاة ‑بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة‑. وسنة مؤكدة في مواضع كثيرة: منها ما بعد الأذان, وعند ذكره ‑عليه الصلاة والسلام‑, وفي يوم الجمعة وليلتها ‑كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة‑.
والله المسؤل أن يُوَفِّقَنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه, وأن يَمُنَّ على الجميع بلزوم السُّنة, والحذر من البدعة؛ إنه جواد كريم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[«التحذير من البدع» ضمن مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (1/ 178‑182 جمع د الشويعر)]
العودة للأعلى
وكَتَب مفتي عام المملكة العربية السعودية: الشيخ عبدالعزيز ابن باز ‑رحمه الله‑:
وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين, وأَتَمَّ علينا النِّعمَة, ورَضِيَ لنا الإسلام دينا.
والصلاة والسلام على عبده ورسوله الداعي إلى طاعة ربه, المحذِّر عن الغلو والبدع والمعاصي, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نَهجِه واتّبع هُدَاه إلى يوم الدين. أما بعد:
فقد اطَّلَعتُ على المقال الذي نشر بجريدة «إدارت» الأُردوية الأسبوعية, الصادرة في مدينة كانفور الصناعية بولاية أترابراديش، في صفحتها الأولى, والمتضمن: (حملة إعلامية ضد المملكة العربية السعودية وتمسكها بعقيدتها الإسلامية ومحاربتها للبدع, واتهام عقيدة السلف التي تسير عليها الحكومة بأنها ليست سُنِّية)؛ مِمَّا يَهدِفُ به كاتبُه إلى التفرقة بين أهل السنة، وتشجيع البدع والخرافات.
وهذا لا شك تدبير سَيِّئ، وتَصرُّفٌ خطير, يُراد به الإساءةُ إلى الدين الإسلامي, وبَثِّ البدع والضلالات.
ثُم إن هذا المقال يُركِّزُ بشكل واضح على موضوع إقامة الاحتفال بمولد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ وجعله منطلقا للحديث عن عقيدة المملكة وقيادتها؛ لذا رأيت التنبيه على ذلك.
فأقول مستعينا بالله تعالى:
لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ ولا غيره, بل يجب منعه.
لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين, ولأن الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ لم يفعله, ولم يأمر به لنفسه, أو لأحد مِمَّن تُوفِّيَ قبله من الأنبياء, أو من بناته أو زوجاته, أو أحد أقاربه أو صحابته.
ولَم يفعله خُلفاؤه الراشدون ولا غيرُهم مِن الصحابة ‑رضوان الله عليهم أجمعين‑, ولا التابعون له بإحسان, ولا أحد من علماء الشريعة والسنة المحمدية في القرون المفضلة. وهؤلاء هم أعلم الناس بالسنة, وأكمل حبا لرسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑, ومتابعة لشرعه مِمَّن بَعدَهم؛ ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
وقد أُمِرنا بالاتِّباع ‑ونُهِينا عن الابتداع وذلك لكمال الدين الإسلامي‑, والاغتناء بما شرعه الله تعالى ورسوله ‑صلى الله عليه وسلم‑ وتَلقَّاه أهلُ السُنَّة والجماعة بالقبول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
وقد ثبت عن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «مَن أَحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، متفق على صحته، وفي رواية أخرى لمسلم: «مَن عَمِل عَمَلا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وقال ‑عليه الصلاة والسلام‑ في حديث آخر: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين مِن بَعدي، تسمكوا بِها وعَضُّوا عليها بالنواجذ. وإِيَّاكم ومُحدَثات الأُمور؛ فإن كل مُحدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
وكان يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بَعدُ: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمد ‑صلى الله عليه وسلم‑، وشر الأمورِ محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة».
ففي هذه الأحاديث: تحذيرٌ مِن إحداث البدع, وتَنبيه بأَنَّها ضلالة؛ تَنبيهًا للأمة على عظيم خطرها, وتَنفيرا لهم عن اقترافها والعمل بها. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وقال ‑عز وجل‑: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ‑رضي الله عنهم‑ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾.
وهذه الآية تدل دلالة صريحة: على أَنَّ الله ‑سبحانه وتعالى‑ قد أكمل لهذه الأمة دينَها, وأَتم عليها نعمتَه.
ولَمْ يتوفَّ نبيّهُ ‑عليه الصلاة والسلام‑ إلا بعد ما بلَّغ البلاغَ المبين, وبَيَّن للأمة كل ما شرعه اللَّهُ لها مِن أقوال وأعمال, وأَوضَح أَنَّ كُلَّ ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى الدين الإسلامي مِن أقوال وأعمال فكله بدعة مردودة على من أحدثها, ولو حسن قصده.
وقد ثبت عن أصحابِ رسولِ الله ‑صلى الله عليه وسلم‑, وعَن السلف الصالح بعدهم: التحذيرُ مِن البِدَع والتَّرهيبُ منها، وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين, وشَرعٌ لم يأذنْ به الله, وتَشبُّه بأعداء الله من اليهود والنصارى، في زيادتِهم في دينهم وابتداعِهم فيه ما لم يأذن به الله, ولأن لازمها التَّنقُّص للدين الإسلامي واتِّهامُه بعدم الكمال, ومعلومٌ ما في هذا من الفسادِ العظيم, والمنكرِ الشنيع, والمصادمةِ لقول الله ‑عز وجل‑: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، والمخالَفةِ الصريحةِ لأحاديثِ الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑ والْمُحَذِّرَة مِن البِدَع والْمُنَفِّرَة منها.
وإحداث مثل هذه الاحتفالات بالمولد ونحوه: يُفهم منه أن الله ‑سبحانه وتعالى‑ لَم يُكمل الدين لهذه الأمة, وأن الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ لَم يُبَلِّغْ ما ينبغي للأمة أن تعمل به ‑حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به اللَّه، زاعمين أن ذلك مِمَّا يُقرِّبهم إلى الله‑. وهذا بلا شك فيه خطرٌ عظيم, واعتراضٌ على الله ‑سبحانه وتعالى‑ وعلى رسوله.
واللَّهُ سبحانه قد أكمل لعباده الدين, وأتم عليهم النعمة.
والرسولُ ‑صلى الله عليه وسلم‑ قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقًا يُوصل إلى الجنة, ويباعد من النار؛ إلا بَيَّنه لأمته؛ كما ثبت في «الصحيح» عن عبدالله بن عَمْرو بن العاص ‑رضي الله عنهما‑ قال: قال رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑: «ما بَعث اللَّهُ مِن نَبِيٍّ إلا كان حقا عليه أن يدل أمَّتَه على خير ما يعلمه لهم، وينذرَهم شر ما يعلمه لهم»، رواه مسلم في «صحيحه» .
ومعلوم أنَّ نبيَّنا ‑عليه الصلاة والسلام‑: هو أفضل الأنبياء وخاتمهم, وأكملهم بلاغا ونصحا, فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي ارتضاه الله سبحانه لعباده؛ لبيَّنَه الرسولُ ‑صلى الله عليه وسلم‑ للأُمَّة, أو فعله أصحابُه ‑رضي الله عنهم‑, فلما لم يقع شيءٌ مِن ذلك؛ عُلِم أنه ليس مِن الإسلام في شيء, بل هو من المحدثات الَّتي حذر الرسولُ ‑صلى الله عليه وسلم‑ منها أُمَّته ‑كما تقدم ذلك في الأحاديث السابقة‑.
وقد صَرَّحَ جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها؛ عملا بالأدلة المذكورة وغيرها.
ومعلوم مِن القاعدة الشرعية: أن المرجع في التحليل والتحريم, ورد ما تنازع فيه الناس: إلى كتاب الله وسنة رسوله ‑صلى الله عليه وسلم‑؛ كما قال ‑عز وجل‑: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
وإذا رددنا هذه المسألة ‑وهي الاحتفال بالموالد‑ إلى كتاب الله ‑سبحانه وتعالى‑؛ وجدناه يأمرُنا باتِّباع الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ فيما جاء به, ويُحذِّرنا عمَّا نَهى عنه, ويُخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها, وليس هذا الاحتفال مِمَّا جاء به الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑؛ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا، وأَمَرَنا باتِّباع الرسول فيه.
وإذا رددناه أيضا إلى سُنة رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑؛ لم نجد أنه فعله، ولا أَمر به, ولا فعله أصحابُه ‑رضي الله عنهم‑؛ فبذلك نعلم أنه ليس مِن الدين, بل من البدع المحدثة, ومن التَّشبُّه الأعمى بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم.
وبذلك يَتَّضح لكل مَن له أدنى بصيرةٍ ورغبةٍ في الحق وإنصاف في طلبه: أن الاحتفال بجميع الموالد ليس من دين الإسلام في شيء, بل هو من البدع المحدثات, التي أمرنا اللَّهُ ‑سبحانه‑ ورسولُه ‑عليه الصلاة والسلام‑ بتركها والحذر منها.
ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة مَن يفعله مِن الناس في سائر الأقطار؛ فإنَّ الحقَّ لا يُعرف بكثرة الفاعلين, وإنما يُعرف بالأدلة الشرعية؛ كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ الآية.
ثم إن غالب هذه الاحتفالات ‑مع كونها بدعة‑: لا تخلو ‑في أغلب الأحيان، وفي بعض الأقطار‑ من اشتمالها على منكرات أُخرى، كاختلاط النساء بالرجال, واستعمال الأغاني والمعازِف, وشُرب المسكرات والمخدِّرات... وغير ذلك من الشرور.
وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك, وهو الشرك الأكبر.
وذلك بالغلوّ في رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ ‑أو غيره مِن الأولياء‑, ودعائِه والاستغاثة به وطلب المدد منه, واعتقاد أنه يعلم الغيب ... ونحو ذلك من الأمور التي تُكَفِّر فاعلَها؛ وقد صح عن رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ أنه قال: «إياكم والغلوّ في الدين فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلو في الدين». وقال ‑عليه الصلاة والسلام‑: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم؛ إِنَّما أنا عبدٌ؛ فقولوا عبدالله ورسولُه»، أخرجه البخاري في «صحيحه».
ومما يدعو إلى العجب والاستغراب: أن الكثير من الناس ينشغل ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة, ويدافع عنها؛ ويتخلف عما أوجب اللَّهُ عليه مِن حضور الجُمَع والجماعات! ولا يرفع بذلك رأسا!! ولا يَرى أنه أتى منكرا عظيما!!!
ولا شك أن ذلك مِن ضعف الإيمان, وقِلَّة البصيرة, وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي ‑نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين‑.
وأغرب من ذلك أَنَّ بَعضَهم يَظُنُّ أن رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ يحضر المولد! ولهذا يقومون له مُحَيِّين ومُرَحّبين!
وهذا مِن أَعظم الباطل وأَقبح الجهل.
فإن الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ لا يَخرُج مِن قَبرِه قَبل يوم القيامة، ولا يَتَّصل بأحد من الناس, ولا يحضر اجتماعاتهم, بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة, ورُوحه في أعلى عِلِّيِّين عند ربه في دار الكرامة؛ كما قال الله ‑سبحانه وتعالى‑: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. وقال النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑: «أنا أول من ينشق عنه القبرُ يوم القيامة، وأنا أول شافع، وأول مُشَفَّع».
فهذه الآية والحديث الشريف, وما جاء بمعناهما من الآيات والأحاديث: كلها تدل على أن النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ وغيره من الأموات إنما يَخرُجون من قبورهم يوم القيامة. وهذا أمرٌ مُجمَع عليه بين علماء المسلمين, ليس فيه نزاع بينهم.
فينبغي لكل مسلم: التنبه لهذه الأمور, والحذر مِمَّا أحدثه الجُهَّال وأشباههم مِن البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
أما الصلاة والسلام على رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑: فهي من أفضل القربات, ومن الأعمال الصالحات.
كما قال ‑سبحانه وتعالى‑: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑: «مَن صَلَّى علَيَّ واحدة؛ صَلَّى اللَّه عليه بها عشرا».
وهي مشروعة في جميع الأوقات. ومتأكدة في آخر كل صلاة ‑بل واجبة عند الكثير من أهل العلم‑ في التشهد الأخير مِن كُلِّ صلاة. وسُنَّة مُؤكَّدة في مواضع كثيرة, منها: ما بعد الأذان, وعند ذكره ‑صلى الله عليه وسلم‑, وفي يوم الجمعة وليلتها ‑كما دَلَّت على ذلك أحاديث كثيرة‑.
هذا ما أردتُ التنبيه عليه نحو هذه المسألة. وفيه كفاية إن شاء الله لِمَن فَتَح اللَّهُ عليه وأَنَار بَصيرتَه.
وإنه ليؤسفنا جدا: أن تَصدُرَ مثلُ هذه الاحتفالات البدعية من مسلمين مُتَمسِّكِين بعقيدتهم وحُبِّهم لرسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑.
ونقول لمن يقول بذلك: «إذا كنت سنيا ومُتّبِعًا لرسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑؛ فهل فَعَل ذلك هو؟ أو أحدٌ من صحابته الكرام؟ أو التابعين لهم بإحسان؟ أم هو التقليد الأعمى لأعداء الإسلام ‑مِن اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم‑؟!».
وليس حُبُّ الرسولِ ‑صلى الله عليه وسلم‑ يتمثل فيما يُقام مِن احتفالات بمولدِه؛ بل بطاعته فيما أَمَرَ به, وتصديقه فيما أَخبَر به, واجتناب ما نهى عنه وزجر, وألا يعبدالله إلا بما شرع.
وكذا بالصلاة عليه عند ذكره, وفي الصلوات وفي كل وقت ومناسبة.
وليست الوهَّابِيَّةُ ‑حسب تعبير الكاتب‑ بِدعًا في إنكار مِثل هذه الأمور البِدعِيَّة, بل عقيدة الوهابية:
هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ‑صلى الله عليه وسلم‑, والسَّيرِ على هديِه وهدي خلفائه الراشدين والتابعين لهم بإحسان، وما كان عليه السلف الصالح وأئمة الدين والْهُدى: أهلُ الفقه والفتوى في باب معرفة الله، وإثبات صفاتِ كمالِه ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز, وصحت بها الأخبار النبوية, وتَلقَّتْها صحابةُ رسولِ الله ‑صلى الله عليه وسلم‑ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويُؤمِنون بِها ويُمِرُّونَها كما جاءت, مِن غَير تِحريفٍ ولا تَعطيل, ومِن غير تكييف ولا تمثيل.
ويتمسكون بما درج عليه التابعون, وتابعوهم من أهل العلم والإيمان والتقوى, وسلف الأمة وأئمتها.
ويُؤمِنون بأن أصل الإيمان وقاعدته: هي شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمدا رسول الله, وهي أصل الإيمان بالله وحده, وهي أفضل شعب الإيمان. ويعلمون بأن هذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين.
ومدلوله وجوب عبادة الله وحده لا شريك له, والبراءةُ مِن عبادة ما سواه ‑كائنا مَن كان‑, وأن هذا هو الحكمة التي خُلِقت لها الجن والإنس, وأُرسلِت لها الرسل وأُنزلت بها الكتب, وهي تَتَضمَّن كمال الذل والْحُبِّ لله وحده, وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم.
وأن هذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا سواه ‑لا مِن الأولين ولا مِن الآخرين‑؛ فإن الأنبياء على دين الإسلام, وبُعثوا بالدعوة إليه وما يتضمن من الاستسلام لله وحده؛ فمن استسلم له ولغيره, أو دعاه ودعا غيره؛ كان مشركا, ومَن لَم يستسلم له؛ كان مستكبرا عن عبادته؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
وعقيدتهم مبنية أيضا على تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله, ونَبذ البِدَع والخرافات, وكُلِّ ما يخالف الشرع الذي جاء به محمد رسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑.
وهذا هو الذي يعتقده الشيخ: محمد بن عبدالوهاب ‑رحمه الله تعالى‑, ويدين لله به, ويدعو إليه. ومَن نسب إليه خلاف هذا؛ فقد كَذَب وافترى إثما مبينا, وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه اللَّهُ ما وَعَد به أمثالَه مِن المفترين.
وأَبدَى ‑رحمه الله تعالى‑ من التقارير المفيدة, والأبحاث الفريدة, والمؤلفات الجليلة, على كلمة الإخلاص والتوحيد, وشهادة أن لا إله إلا الله, وما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع, مِنْ نَفْي استحقاق العبادة والإلـٰهِية عما سوى الله, وإثبات ذلك لله ‑سبحانه وتعالى‑, على وجه الكمال المنافي للشرك دقيقه وجليله. ومَن عَرَف مُصنَّفَاتِه وما ثبت عنه وعُرِف واشتَهر مِن دعوته وأمره، وما عليه الفضلاءُ النبلاءُ مِن أصحابه وتلامذتِه؛ تبيَّن له أنه على ما كان عليه السلف الصالح وأئمةُ الدين والهدى، مِن إخلاص العبادة لله وحده, ونبذِ البِدعِ والْخُرَافات.
وهذا هو الذي قام عليه حُكْم السعودية.
وعلماؤُها يسيرون عليه ‑والحمد لله‑.
وليست الحكومة السعودية مُتَصَلِّبة إلا ضِدَّ البِدَع والخرافات للدين الإسلامي, والغلو المفرط الذي نَهى عنه الرسولُ ‑صلى الله عليه وسلم‑.
والعلماءُ والمسلمون بالسعودية وحكامُهم يحترمون كل مسلم احتراما شديدا, ويُكِنُّون لهم الولاء والمحبة والتقدير, من أي قطر أو جهة كان. وإنما يُنكِرُون على أصحاب العقائد الضَّالِّة ما يُقيمُونَه مِن بِدَعٍ وخُرَافَات وأَعياد مبتدعة وإقامتِها والاحتفالِ بها ‑مما لم يأذن به الله ولا رسوله‑ ويمنعون ذلك; لأنه من محدثات الأمور؛ وكل مُحدَثَةٍ بدعة.
والمسلمونَ مأمورون بالاتِّباع ‑لا بالابتداع‑؛ لكمال الدين الإسلامي واستغنائه بِمَا شرعه الله ورسوله ‑صلى الله عليه وسلم‑ وتَلقَّاه أهلُ السنة والجماعة بالقبول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومَنْ نَهَج نَهجَهم.
وليس مَنْعُ الاحتفال البدعي بمولد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ وما يكون فيه من غلو أو شرك ونحو ذلك: عَمَلًا غَيرَ إسلاميٍّ, أو إهانةً لرسول الله ‑صلى الله عليه وسلم‑. بل هو طاعةٌ له وامتثال لأمره؛ حيث قال: «إيَّاكُم والغلو في الدِّين؛ فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلو في الدين»، وقال: «لا تُطرُوني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عَبد، فقولوا عبد الله ورسولُه».
هذا ما أردت التنبيه عليه في المقال المشار إليه.
والله المسئول أن يُوَفِّقَنا وسائرَ المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه, وأن يَمُنَّ على الجميع بلزوم السنة والحذر من البدعة؛ إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
[مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز، جمع د الشويعر (1/ 222‑230)]
العودة للأعلى
وسُئِل فضيلة الشيخ محمد بن صالح ابن عثمين ‑رحمه الله‑:
عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟
فأجاب فضيلته:
أولا: ليلةُ مولد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ ليست معلومة على الوجه القطعي.
بل إن بعض العصريين حقق أنها ليلة التاسع من ربيع الأول، وليست ليلة الثاني عشر منه؛ وحينئذ فجَعْل الاحتفال ليلة الثاني عشر منه: لا أصل له من الناحية التاريخية.
ثانيًا: من الناحية الشرعية: فالاحتفال لا أصل له أيضًا.
لأنه لو كان مِن شَرْع الله؛ لفعله النبيُّ ‑صلى الله عليه وسلم‑، أو بَلَّغَه لأمته. ولو فعله أو بَلَّغه؛ لوجَب أن يكون محفوظًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فلما لم يكن شيء من ذلك عُلِم أنه ليس من دين الله.
وإذا لم يكن من دين الله؛ فإنه لا يجوز لنا أن نتعبد به لله ‑عز وجل‑ ونتقرب به إليه؛ فإذا كان الله تعالى قد وضع للوصول إليه طريقًا معيَّنًا وهو ما جاء به الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑، فكيف يسوغ لنا ونحن عباد أن نأتي بطريق من عند أنفسنا يوصلنا إلى الله؟!
هذا من الجناية في حق الله ‑عز وجل‑ (أنْ نَشْرَع في دينه ما ليس منه)، كما أنه يتضمن تكذيب قول الله ‑عز وجل‑: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.
فنقول: هذا الاحتفال: إن كان مِن كمال الدين؛ فلا بد أن يكون موجودًا قبل موت الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑.
وإن لم يكن من كمال الدين؛ فإنه لا يُمكن أن يكون من الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
ومَن زَعَم أنه من كمال الدين؛ وقَد حَدَث بعد الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑؛ فإن قوله يَتَضمن تكذيب هذه الآية الكريمة.
ولا ريب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑: إنما يريدون بذلك تعظيم الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑، وإظهار محبته، وتنشيط الهمم على أن يوجد منهم عاطفة في ذلك الاحتفال للنبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ وكل هذا من العبادات:
محبةُ الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑: عبادة. بل لا يتم الإيمان حتى يكون الرسولُ ‑صلى الله عليه وسلم‑ أحبَّ إلى الإنسان من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين.
وتعظيمُ الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑: من العبادة.
كذلك إلهاب العواطف نحو النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑: من الدين أيضًا؛ لما فيه من الميل إلى شريعته.
إذًا فالاحتفال بمولد النبي ‑صلى الله عليه وسلم‑ من أجل التقرب إلى الله وتعظيم رسوله ‑صلى الله عليه وسلم‑ عبادة.
وإذا كان عبادة؛ فإنه لا يجوز أبدًا أن يُحدَث في دين الله ما ليس منه.
فالاحتفال بالمولد بدعة ومحرم.
ثم إننا نسمع أنه يوجد في هذا الاحتفال من المنكرات العظيمة: ما لا يُقِرُّه شَرْعٌ ولا حس ولا عقل! فهم يتغنَّون بالقصائد التي فيها الغلو في الرسول ‑عليه الصلاة والسلام‑، حتى جعلوه أكبر من الله ‑والعياذ بالله‑.
ومن ذلك أيضًا أننا نسمع مِن سفاهة بعض المحتفلين: أنه إذا تلا التالي قصة المولد ثم وصل إلى قوله «وُلِد المصطفى»؛ قامُوا جميعًا قيام رجل واحد يقولون: «إن روح الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ حضرت فنقوم إجلالا لها»!
وهذا سفه.
ثم إنه ليس من الأدب أن يقوموا؛ لأن الرسول ‑صلى الله عليه وسلم‑ كان يَكره القيام له؛ فأصحابُه ‑وهم أشد الناس حبًّا له وأشد منا تعظيمًا للرسول صلى الله عليه وسلم‑ لا يقومون له؛ لما يرون من كراهيته لذلك وهو حي؛ فكيف بهذه الخيالات؟!
وهذه البدعة ‑أعني بدعة المولد‑: حَصَلَت بعد مُضِيّ القرون الثلاثة المفضلة، وحصل فيها ما يصحبها من هذه الأمور المنكرة التي تُخِل بأصل الدين ‑فضلا عَمَّا يَحصل فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء وغير ذلك من المنكرات‑.
[مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثمين (2/ 297‑300)، سؤال (350)، جمع السليمان]
العودة للأعلى