في بلدتي عادات جاهلية، وخاصة عندما يموت أحد الناس، تقوم النساء بالحضور عند أهل الميت، ويقمن بالنياحة الشديدة والبكاء المتواصل، وعندما تسير الجنازة بعد غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه؛ يتبعها النساء باللطم والنياحة ووضع التراب على رؤوسهن، دون أن ينكر عليهن أو ينهاهن أحد خشية من أن يقمن بالدعاء عليه، وتبقى النساء كذلك حتى الانتهاء من دفنه، ثم تقوم أم الميت أو أخته بوضع نوع من الطعام أو الفاكهة على قبره، مدعيات أن الميت يأكلها في الليل؛ حيث إنهم إذا وضعوها لا يجدون منها في الصباح إلا القليل، ولكن الحقيقة أن الحيوانات البرية المطلقة هي التي تأكل ذلك دون علم أهل الميت، وبعد أربعين يومًا من وفاته يقوم أهله أو أقرباؤه بعمل عشاء كبير، يحضره لفيف من الأهل والأقرباء والغرباء أحيانًا، وبعد الأكل تشرب القهوة والشاي، وما تبقى يسكب على الأرض حزنًا على الميت، وبعدها تنتهي التعزية، ويذهب الناس، ويفعلون ذلك بكل إنسان يموت.
والسؤال: ما هو حكم هذه الأفعال؟ وما حكم من يفعلها؟ وما هي نصيحتكم لهؤلاء الناس؟
هذا السؤال يتكون من ذكر عدة أمور، وكلها منكرات يفعلونها:
الأمر الأول: النياحة على الميت، والنياحة محرمة وكبيرة من كبائر الذنوب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها؛ تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب))[1]، ولعن صلى الله عليه وسلم الحالقة والصالقة والشاقة[2]، والحالقة هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والصالقة هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والشاقة هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن النياحة من أمر الجاهلية[3]؛ فالواجب التوبة من ذلك وترك النياحة على الميت؛ لأن هذا من التسخط على قدر الله وقضائه، والواجب عند ذلك إظهار الصبر والتحمل الاحتساب؛ يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة 155 ـ 157]، ويقول سبحانه وتعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]، قال بعض السلف: {يُؤْمِنْ بِاللَّهِ}: يعلم أن المصيبة من عند الله فيرضى ويسلم[4].
الأمر الثاني: اتباع النساء الجنازة ودخولهن المقبرة، والنساء ممنوعات من اتباع الجنائز ومن دخول المقابر وزيارتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج))[5].
فاتباع الجنائز وزيارة القبور من خصائص الرجال، أما النساء، فهي ممنوعة من ذلك؛ لأنهن ضعيفات ولا يتحملن، ويظهرن من الجزع والتسخط ما لا يجوز، ولأنهن يفتن الأحياء ويؤذين الأموات.
والأمر الثالث: وضع الطعام على القبر، واعتقاد أن الميت يأكل منه، وهذا خرافة من أمور الجاهلية وإضاعة للمال؛ فإنه لا يجوز عمل مثل هذا ووضع الطعام على القبر؛ لأن هذا فيه اعتقاد جاهلي، وفيه إضاعة للمال، بل فيه إهانة للميت أيضًا؛ لأن هذا الطعام سوف يجتمع عليه الحشرات والكلاب والحيوانات والمؤذيات، فهذا من السخرية ومن الأمور المضحكة المبكية في الواقع؛ لأنه لا يجوز أن يصدر من المسلمين مثل هذا الذي يضحك منه العقلاء؛ فماذا يستفيد الميت من وضع الطعام على قبره؟! واعتقاد أنه يأكل منه، هذا اعتقاد باطل؛ لأن الميت قد انتهى من الدنيا، وانتهى من الأكل والشرب، وانتقل إلى الدار الآخرة، ولا يأكل ولا يشرب كما يشرب الأحياء ويأكل الأحياء، وإنما هو في قبره إما في روضة من رياض الجنة وإما في حفرة من حفر النار، وماذا يستفيد من وضع الطعام على قبره؟! ولكن هذا من تلاعب الشيطان بالجهال والأغرار.
الأمر الرابع: عمل وليمة بعد الأربعين بقصد العزاء، وهذا بدعة محرمة وإضاعة للمال، وفيه إقامة للمآتم التي تشتمل على المحرمات والسخط والجمع من قضاء الله وقدره، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يتأذى بذلك؛ قال صلى الله عليه وسلم : ((إن الميت يعذب بما نيح عليه))[6].
فهذه الاجتماعات وهذا العزاء كما يسمونه وعمل هذه الوليمة؛ كل هذا من الأمور المبتدعة التي ليست من هدي النبي صلى الله عليه وسلم .
وإنما سن النبي صلى الله عليه وسلم في أيام المصيبة أن يعمل طعام يبعث به إلى أهل البيت مساعدة لهم ومواساة لهم؛ لأنهم مشغولون بالمصيبة عن عمل الطعام لهم، فيشرع لإخوانهم المسلمين أن يعملوا طعامًا يكفيهم ويرسلون به إليهم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : ((اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فإنهم قد جاءهم ما يشغلهم))[7].
هذا الذي شرعه صلى الله عليه وسلم ، وهو في أيام المصيبة، أما عمل الوليمة بعد الأربعين؛ فهذا لا أصل له في دين الإسلام، وهو من البدع، وإذا انضاف إلى هذه كثرة الاجتماع وتضخيم الولائم؛ فهذا كله من أمور الجاهلية.
-----------------------------
[1] رواه الإمام مسلم في "صحيحه" (ج2 ص644) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
[2] رواه الإمام البخاري في "صحيحه" (ج2 ص83) من حديث أبي موسى بلفظ: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من".
[3] انظر: "صحيح الإمام مسلم" (ج2 ص644) من حديث أبي مالك الأشعري.
[4] يروى عن الإمام الحافظ أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك، وانظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (ج4 ص375).
[5] رواه الإمام أحمد في "المسند" (1/229) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ورواه أبو داود في "سننه" (3:216) من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
[6] رواه الإمام البخاري في "صحيحه" (2/81، 82) من حديث المغيرة رضي الله عنه بلفظ: "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه..."، وفي لفظ: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" من حديث عمر بن الخطاب.
[7] رواه الترمذي في "سننه" (ج3 ص379)، ورواه أبو داود في "سننه" (ج3 ص191)، ورواه ابن ماجه في "سننه" (ج1 ص514)، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" (ج4 ص61)، ورواه الإمام أحمد في "المسند" (ج1 ص205)؛ كلهم من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما.
المنتقى من فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان - (ج 1/ ص 208) [ رقم الفتوى في مصدرها: 118]