الحج عَن القادر
إجماع العلماء عدم جواز ذلك.
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.
فتوى سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله-.
فتوى فضيلة الشيخ: محمد بن صالح ابن عثيمين -رحمه الله-.
إجماع العلماء على عدم جواز ذلك
قال ابن المنذر رحمه الله: «وأجمعوا أن من عليه حجة الإسلام، وهو قادر: لا يُجزِئُ إلا أن يَحُجَّ بنفسه. ولا يُجزئُ أن يَحُجَّ عنَه غيره».
وقال ابن قدامة رحمه الله: «ولا يجوز أن يَستنيب مَن يقدر على الحج بنفسه، في الحج الواجب؛ إجماعًا».
وفي «الموسوعة الفقهية الكويتية»: «فَإِن كان الْحَجُّ فَرضًا: فَقَدِ اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّهُ لا يَجوز لِلقادر أن يَستَنِيب مَن يَحُجُّ عَنه» اﻫ.
وهذه غيرُ مسألة إهداء الثواب للغير، وغيرُ مسألة النيابة عن الميت أو النيابة في النافلة.
وإنما الكلام هنا عن النيابة في حج الفريضة عن القادر على الحج ببدنه. وهي التي نقل العلماءُ الإجماع على المنع منها.
وفي سُؤال ورد للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية:
هل يجوز لأحد أن يعتمر أو يحج عن قريبه الذي يكون بعيدا عن مكة، وليس لديه ما يصل به إليها، مع أنه قادر بالطواف؟
فأجابت اللجنة:
قريبك المذكور: لا يجب عليه الحج، مادام لا يستطيع الحج ماليا.
ولا تصح النيابة عنه في الحج ولا في العمرة؛ لأنه قادر على أداء كل منهما ببدنه -لو حضر بنفسه في المشاعر-.
وإنما تصح النيابة فيهما: عن الميت والعاجز عن مباشرة ذلك ببدنه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (11/ 51-52)، الفتوى رقم (11588)]
وفي سُؤال آخر ورد للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية:
أنا شاب أعمل في المملكة العربية السعودية، ودخلي محدود يكفيني للضروريات، وتكاليف المعيشة والحمد لله، وقد حججت عن نفسي ثلاث مرات والحمد لله، وذلك لسهولة ويسر الحج للمقيمين هنا داخل المملكة ، سواء للعمل أو غيره، ولي والد في مصر لم يحج بعد، وذلك لعدم توفر نفقة الحج لديه، علما بأنه طيب وصحيح معافى، ولكن بسبب عدم توفر نفقة الحج ودخلي المحدود كما ذكرت سابقا هل يمكنني أن أحج عنه، وقال لي أحد الأصدقاء: إن حجي بعد ذلك -أي بعد عدم استطاعة والدي أن يحج سواء من عنده أو بمساعدتي أن يكون حجي هذا غير جائز؟ أفيدوني أفادكم الله.
فأجابت اللجنة:
إذا كان الواقع ما ذُكر -مِن أن والدك صحيح معافى، ولا يستطيع الحج من أجل عدم استطاعته المالية-؛ فلا يلزمه الحج.
لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾.
ولا يصح الحج عنه منك، ولا من غيرك.
لكن يشرع لك إذا كنت مستطيعا لنفقته على الحج أن تساعده بذلك ليحج بنفسه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة (11/ 31-32)، الفتوى رقم (6553)]
وقال سماحة مفتي عام المملكة سابقًا: الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله-:
«لا تصح الإنابة في الحج عَمَّن كان صحيح البدن -ولو كان فقيرا-، سواء كان فرضا أو نفلا.
أما العاجز لِكِبَر سِن أو مرض لا يرجى برؤه: فإنه يلزمه أن يُنِيب مَن يُؤدي عنه الحج المفروض والعمرة والمفروضة؛ إذا كان يستطيع ذلك بماله.
لعموم قول الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾».
[كتاب «التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج..»، ضمن: «مجموع فتاوى مقالات الشيخ عبدالعزيز ابن باز» (16/ 122، ط د الشويعر)]
وسُئل فضيلة الشيخ: محمد بن صالح ابن عثيمين -رحمه الله-:
ما حكم الاستنابة في الحج أو العمرة؟
فأجاب رحمه الله:
توكيل الإنسان مَن يَحُجُّ عنه لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون ذلك في فريضة.
والحال الثانية: أن يكون ذلك في نافلة.
فإن كان ذلك في فريضة: فإنه لا يجوز أن يُوكل غيرَه ليحج عنه ويعتمر.
إلا إذا كان في حال لا يتمكن بنفسه من الوصول إلى البيت؛ لمرض مستمر لا يُرجى زواله، أو لكبر ونحو ذلك.
فإن كان يُرجى زوال هذا المرض: فإنه يَنتظر حتى يعافيَه اللَّهُ ويُؤدي الحجَّ بنفسه.
وإن لم يكن لديه مانع مِن الحج -بل كان قادراً على أن يحج بنفسه-: فإنه لا يحل له أن يُوكّل غَيرَه في أداء النُّسُك عنه.
لأنه هو المطالب به شخصيّاً؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
فالعبادات يُقصدُ بها أن يقوم الإنسان بنفسه فيها؛ ليتم له التعبد والتذلل لله سبحانه وتعالى. ومِن المعلوم أنَّ مَن وكَّل غيرَه: فإنه لا يَحصُل على هذا المعنى العظيم؛ الذي من أجله شرعت العبادات.
وأما إذا كان الموكِّل قد أدَّى الفريضة، وأراد أن يُوكِّل عنه مَن يحج أو يعتمر فإن في ذلك خلافاً بين أهل العلم:
فمنهم مَن أجازه. ومنهم مَن مَنَعَه.
والأقرب عندي: المنع، وأنه لا يجوز لأحد أن يوكل أحداً يحج عنه أو يعتمر؛ إذا كان ذلك نافلة.
لأن الأصل في العبادات أن يقوم بها الإنسان بنفسه، وكما أنه لا يوكل أحداً يصوم عنه -مع أنه لو مات وعليه صيامُ فَرْض صام عن وليه-؛ فكذلك في الحج.
والحج عبادة يقوم فيها الإنسان ببدنه، وليست عبادةً ماليَّة يُقصد بها نفع الغير.
وإذا كان عبادة بدنية يقوم الإنسان فيها ببدنه؛ فإنها لا تصح مِن غَيره عنه، إلا فيما وردت به السنة.
ولم ترد السُّنة في حج الإنسان عن غيره حج نَفل.
وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد -رحمه الله- (أعني أن الإنسان لا يصح أن يُوكِّل غَيرَه في نفل حج أو عمرة، سواءً كان قادراً أو غير قادر).
ونحن إذا قلنا بهذا القول: صار في ذلك حَثٌ للأغنياء القادرين على الحجِّ بأنفسهم؛ لأن بعض الناس تمضي عليه السنوات الكثيرة؛ ما ذهب إلى مكة؛ اعتماداً على أنه يُوكِّلُ مَن يَحُجُّ عَنه كُل عام، فيفوته المعنى الذي مِن أجله شُرِع الحج؛ بناء على أنه يُوكّل مَن يَحُج عنه.
والله أعلم.
[مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (21/ 136- 137 ط الثريا) س 172]