ملخص دراسة

دور السياسة الجنائية

في تحقيق الأمن الأخلاقي في ضوء الشريعة الإسلامية وأنظمة المملكة العربية السعودي

بحث تكميلي لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير

 

إعداد

الشيخ خالد بن عبدالله الشافي

رئيس مركز هيئة النسيم بفرع الرئاسة العامة بمنطقة الرياض

 

إشراف

د. محمد عبدالله ولد محمدن

عضو هيئة التدريس بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية

 

عام 1424/1425هـ


المقدمة :

يعدُّ الأمن بمفهومه الشامل، مطلباً عزيزاً، ينشده الأفراد والمجتمعات والدول، ولم يعد مفهومه مقصوراً على جانب معين، بل إن مفهوم الأمن الشامل المتكامل الذي تسعى المجتمعات والدول لتحقيقه، يشمل جوانب متعددة، ومجالات مختلفة. وبرز ذلك جلياً في العناية بهذا المطلب من خلال سعي الدول والمجتمعات إلى تحقيق الأمن السياسي، والأمن الاقتصادي، والأمن العسكري، والأمن الثقافي، والأمن الاجتماعي، والأمن المعلوماتي، والأمن الغذائي، والأمن المائي .. إلى غير ذلك من منظومة الأمن الشامل التي تمثل حلقة واحدة.

والشريعة الإسلامية جاءت شاملة متكاملة جليةً لتشمل كافة مناحي الحياة ومجالاتها، وتحقق السعادة للبشرية قاطبة، ومن تلك الجوانب التي كان لها مزيد العناية والرعاية: جانب تحقيق الأمن الأخلاقي لاتصاله بمقاصد وضرورات الشريعة، التي يتعين المحافظة عليها والذود عنها وما يتصل بالعرض والنسل. ونظراً لزيادة معدلات الجرائم بشكل ملموس ولكونها أصبحت تشكل هواجس وتوجسات، تبعث على المزيد من التأمل والدراسة والوقوف على جوانب ومعطيات هذه المشكلة ودراستها. لذلك قام الباحث الشيخ خالد بن عبدالله الشافي رئيس مركز هيئة النسيم بفرع منطقة الرياض بالدراسة التأصيلة الشرعية لهذه المشكلة، وسبق الشريعة الإسلامية للنظم الوضعية لمعالجة هذه المشكلة، وإبراز دور المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجاً يبين تلك المعاني الرفيعة بامتثالها لشريعة الإسلام. وجاءت الدراسة بعنوان «دور السياسة الجنائية في تحقيق الأمن الأخلاقي في ضوء الشريعة الإسلامية وأنظمة المملكة العربية السعودية»، في (343) صفحة من الورق العادي، كبحث تكميلي للحصول على درجة الماجستير. وقسَّم الباحث دراسته إلى فصل تمهيدي وأربعة فصول كل منها يشتمل على مباحث ومطالب ، وختم بنتائج البحث وتوصياته .

الفصل التمهيدي :

في الفصل التمهيد ذكر الباحث مشكلة الدراسة وأهميتها وأهدافها وتساؤلاتها، ومنهجها، وتحديد مصطلحاتها، والدراسات السابقة في هذا الجانب.

وتكمن أهمية الدراسة في أهمية الأمن لكل المجتمعات خاصة الأمن الأخلاقي، نظراً لما تشكله الجرائم الأخلاقية من خطورة بالغة، وتبيين سمو الشريعة وعلو قدرها وسبقها لكل النظم والتشريعات الوضعية بجلعها وربطها هذا الجانب المهم من الأمن بمقاصد الشريعة الضرورية، وإبراز المملكة نموذجاً للأمن الأخلاقي من خلال تطبيقها للشريعة الإسلامية، وإبرازها للدور الرائد للسياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية في تحقيق الأمن الأخلاقي من خلال سياسة التجريم وسياسة العقاب وسياسة الوقاية والمنع. وأما أهم أهداف الدراسة فالتعرف على عناية الشريعة الإسلامية بجانب الأعراض وحمايتها، والتعرف على مفهوم السياسة الجنائية، ومفهوم الأمن في الشريعة الإسلامية، ودور سياسة التجريم والعقاب والوقاية والمنع في تحقيق الأمن الأخلاقي في ضوء الشريعة الإسلامية وأنظمة المملكة العربية السعودية، والتعرف على طبيعة الجرائم الأخلاقية في المملكة، ومراحل تطورها، وأثرها على تحقيق الأمن الأخلاقي.

واختار الباحث لتعريف السياسة الجنائية: أنها مجموعة من الوسائل والأدوات والمعارف التي تمثل رد الفعل الاجتماعي حيال الجريمة على ضوء معطيات العلوم الجنائية كعلم الإجرام وعلم النفس بغية منع الجريمة والوقاية منها، ومكافحتها بالتصدي لمرتكبيها، وتوقيع الجزاء الجنائي المناسب عليهم، ومعاملتهم بقصد إعادتهم إلى حظيرة المجتمع من جديد. ثم عرف الجرائم الأخلاقية: بأنها أي نوع من أنواع المساس بأعراض الناس بما فيها جريمة الزنا المتكاملة فعقوبتها معروفة وهي الحد، وكل عمل مخل بالحياء أو مدنس للعرض ولم تجب فيه عقوبة مقدرة فمن حق الإمام أن يفرض العقوبة التعزيرية. وختم الفصل التمهيدي بذكر خمس دراسات سابقة مشابهة وأبدى أوجه تميز دراسته وبحثه عنها خاصة في إبراز دور السياسة الجنائية من خلال كمال وشمولية الشريعة الإسلامية، وكذلك إيضاح تطور الجرائم الأخلاقية وانعكاساتها، وكيف عالجت السياسة الجنائية هذا الجانب... الخ.

الفصل الأول: السياسة الجنائية، والأمن، ومقاصد الشريعة الإسلامية في المحافظة على الأعراض:

يضم هذا الفصل ثلاثة مباحث: مفهوم السياسة الجنائية، مفهوم الأمن، والعناية بالأعراض باعتبارها من ضروريات ومقاصد الشريعة الإسلامية، وتحت كل مبحث عدد من المطالب. والسياسة الجنائية جزء من السياسة الشرعية وداخلة فيها، وهي في الشريعة الإسلامية: مجموعة الوسائل التي تستخدم لمنع الجريمة والعقاب عليها. والسياسة الجنائية بمثابة الضابط لمقابلة كل سلوك انحرافي يستجد على المجتمع، ومن أهم سمات السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية: أنها سياسة ترتكز على الدين، وتتلقى من قواعد الإسلام ومبادئه العظام، وجعلت المصلحة أساساً لقيام العقاب، وأنها لا تنظر إلى الجنائية أو الضرر الواقع على المجني عليه وحده فحسب، بل تنظر إليه على أنه واقع على المجتمع بأسره، وأنها سابقة لكل النظم المعاصرة بأخذها بمبدأ العقوبة، فلا يُسأل عن الجرم إلا فاعله، وتحقق المساواة والملاءمة بين العقوبة والجرم، وتأخذ بعين الاعتبار شفاء ما في نفس المجني عليه وذويه.

وأما الأمن فهو الشعور بالطمأنينة وحفظ المصالح من خلال الوسائل الوقائية والزجرية، ولعل أقربها إلى تحقيق المفهوم الشامل للأمن الذي يرجحه الباحث: هو الشعور بالطمأنينة الذي يتحقق بحفظ مصالح الناس الدينية والبدنية والعقلية والاجتماعية والمالية وذلك من خلال الوسائل التربوية والوقائية والزجرية التي شرعها الإسلام لذلك. ويقوم الأمن في المجتمع المسلم على ثلاثة محاور مهمة : تحقيق أمن الفرد بتوثيق صلته بربه واستقامته، وتحقيق أمن الأسرة بتحديد الواجبات والعلاقات، وتحقيق أمن المجتمع من خلال إرساء قواعد العدل وتحقيق المساواة ورفع الظلم ...الخ.

والمبحث الثالث: العناية بالأعراض باعتبارها من الضرورات الخمس، وعناية الشريعة بالأعراض من خلال صيانة المحارم والمحافظة على الأعراض والذب عنها ورعايتها وصيانتها وعدم المساس بها، ومنها قوله r «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد أو دمه أو دون دينه فهو شهيد» رواه أبوداود والترمذيوالنسائي.  ومن مقاصد الشريعة في صيانة العرض ألا يكون هناك عبث وفوضى جنسية تؤدي إلى انهيار كيان الأسرة، وصيانة للأسرة، وحفظ الأنساب، وحفظ النسل والنوع الإنساني، والوقاية من الأمراض من خلال الممارسات المحرمة شرعاً.

الفصل الثاني: دور السياسة الجنائية في تحقيق الأمن الأخلاقي:

       جعل الباحث هذا الفصل ثلاثة مباحث: دور سياسة التجريم في تحقيق الأمن، ودور سياسة العقاب في تحقيق الأمن، وسياسة المنع والوقاية في تحقيق الأمن. فأما سياسة التجريم فتعني: إخراج بعض الأفعال من حيز الإباحة إلى حيز التجريم والمنع، وذلك بعد التحقق من أن تلك الأفعال مضادة لمصلحة الجماعة. وتنقسم الجرائم في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام: جرائم الحدود مثل الزنا والقذف، وجرائم القصاص والدية، وجرائم التعازير مثل اللواط والمساحقة والقوادة والاختلاط ونحوها. وقسم الباحث السياسة إلى: سياسة مدنية، وتهدف إلى تنظيم ورعاية أحوال المجتمع عادلة أو ظالمة. وسياسة شرعية: وهي السياسة النبوية المعصومة. وتحدث الباحث عن مفهوم الحد والتعزير وضوابط التعزير وأنواعه وأقسامه ومن يملكه، وللإمام في التعزير ثلاث حالات:

الأولى: تفويض الأمر للقضاء ليزن الأمور بالمعيار الشرعي. الثانية: أن يتولى ولي الأمر تحديد صور الجرائم التعزيرية وعقوباتها تشريعياً في شكل نصوص تنظيمية،ويعهد بتطبيقها للقضاء. الثالثة: أن يقوم ولي الأمر بتحديد صور الجرائم التعزيرية، والعقوبات المقررة لها بموجب نصوص نظامية، وفي الوقت نفسه يترك للقضاء سلطة إضافية غيرها. وكل من الحالات الثلاث له ميزات وعيوب. وبالنظر إلى واقع المملكة العربية السعودية نجد أنها نهجت في نظامها الجنائي وفقاً للتشريع الإسلامي. ودور سياسة التجريم فرعاً من فروع السياسة الجنائية في مجال تحقيق الأمن الأخلاقي ظاهراً في التصدي لما يعتبر تهديداً للمصالح والضرورات سواءً في الجرائم الأخلاقية الحدية أو التعزيرية، لما ذلك من المفاسد والشرور، وما تخلفه من المفاسد والشرور.

       وأما المبحث الثاني فدور سياسة العقاب في تحقيق الأمن: وبالنظر في الأساس الذي يقوم عليه النظام العقابي في الشريعة الإسلامية، نجده يتمثل في حماية الجماعة وصيانة نظامها، ودفع الشرور والآثام والأضرار والمفاسد عنها من جهة، ومن جهة أخرى إصلاح  الأفراد وتهذيبهم ورعاية حقوقهم وحمايتهم من أنفسهم، فالأساس جلب المصلحة ودفع المفسدة الناتجة عن الجريمة. والعقاب في نظر الإسلام وسيلة وليست غاية. وتعد العقوبة في الشريعة الإسلامية رحمة بالمجرم لما فيها من قوة منعه وردعه من الإقدام على الجريمة، ورحمة للأمة كونها تساعد على حفظ كيانها، وزجر للجاني عن المعاودة للجريمة، وإصلاح حال البشر، واستقامة أحوالهم وحمايتهم من المفاسد، وعند إمعان النظر في عقوبات الشريعة الإسلامية من حدود وقصاص وديات وتعازير، يجد المتأمل أن سر شدة العقوبات الحدية هو ارتباطها بالمصالح الضرورية التي لا يتصور قيام المجتمع المسلم بدونها، والقيم والأخلاق التي يحميها النظام العقابي في الإسلام تتسم بالإطلاق والاستمرار وتنبع من مصدر إلهي، وتحقق النفع والمصلحة الحقيقية للإنسان في كل زمان ومكان.

       وتحدث الباحث عن العقوبات الأخلاقية الحدية كعقوبة الزاني المحصن وغير المحصن في الشريعة الإسلامية وما عليه الحال في المملكة، وعقوبات الجرائم الأخلاقية التعزيرية، وقسمها إلى ثلاثة أقسام: عقوبات تعزيرية لجرائم من قبيل ماشرع في جنسه عقوبة مقدرة من حد أو قصاص كجريمة اللواط، والزنى بذات محرم وأن الراجح فيها القتل مطلقاً سواء كان محصناً أو غير محصن، وعقوبة وطء الأجنبية في الدبر، ووطء البهيمة ورجح قول الجمهور بأنه عقوبته التعزير مع المبالغة وخاصة المحصن، وعقوبة جريمة القوادة، وجريمة وطء الميتة ورجح التعزير دون الحد، وثنى بالقسم الثاني من العقوبات: وهي عقوبات لجرائم تعزيرية ما دون الوقاع من أفعال: كمقدمات الزنى، والاستمتاع بالأجنبية بما لا يوجب حداً، والوطء فيما دون الفرج، والمعانقة والتقبيل والضم ...الخ، والقسم الثالث: عقوبات لجرائم تمس الأعراض من مفسدات القيم والأخلاق مثل التبرج والسفور من المرأة، والاختلاط بينهما، ونشر الصور والأفلام الهابطة، ومثله نشر المقالات والكتب والروايات، وتشبه الرجال بالنساء أو العكس، والجهر بالألفاظ المخلة بالحياء، والمنافية للآداب والأخلاق وهذه الجرائم يستحق صاحبها التعزير وأن عقوباتها تختلف باختلافها وخطورتها.

       وأورد الباحث مطلباً رابعاً للإجراءات الجنائية في الجرائم الأخلاقية في المملكة العربية السعودية: وأن العقوبات تتكون من شقين: موضوعي وإجرائي، وأن الخطوات الإجرائية الجنائية كالتالي: الاستقصاء والاشتباه، والتحري والتحقيق وصياغة الإدعاء، والمحاكمة والإدانة أو البراءة والطعن في الأحكام، والتنفيذ ومعاملة المجرمين. ثم أسهب الباحث في الإجراءات المذكورة والتعريفات الخاصة بهذا المطلب والتعريف بجهات الضبط الجنائي ورجاله ومهامهم، والتحقيق وإجراءاته، والمحاكمة ومراحلها. ثم تكلم عن القضاء في الشريعة الإسلامية وفي المملكة العربية السعودية، ويتكون من: أولاً: مجلس القضاء الأعلى، والهيئة الدائمة، والهيئة العامة. وثانياً: محكمة التمييز، ثم المحاكم العامة، والمحاكم الجزائية، والمحاكم المتخصصة. وذكر الباحث مرحلة تنفيذ العقوبة في الجرائم الأخلاقية وإجراءاتها، وتحدث عن مفرداتها كعقوبة الجلد، وعقوبة السجن أو الحبس، وعقوبة التغريب، وعقوبة الرجم.

       وفي المبحث الثالث من الفصل الثاني: ذكر دور سياسة المنع والوقاية في تحقيق الأمن الأخلاقي، وفي البداية عرّف الوقاية والمنع والفرق بينهما، وأن من أهم العوامل التي تقي المسلم الوقوع في الانحراف والجريمة ما يكون في قلبه من العقيدة الصحيحة والإيمان الصادق، ولذلك قال النبي r «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، وأن الإيمان أحد بواعثه الحياء، ومن التدابير الواقية في الشريعة الاهتمام بالجوانب السلوكية وخاصة العبادات وأثرها في التقويم والوقاية، كقوله تعالى }إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر{، ومثلها الزكاة والحج والصوم ...، وأيضاً البناء الاجتماعي والتربوي له أثره الإيجابي في تحقيق الأمن الأخلاقي فمبدأ الأخوة والعدالة، ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والتدابير المحققة للأمن الأخلاقي منها: تدابير اجتماعية: كالزواج، والمحافظة على بناء الأسرة، وبناء المجتمع. وتدابير احترازية منها: النهي عن قربان الزنى، وعن إشاعة الفاحشة، وعن دخول البيوت بدون استئذان، وتحريم النظر المحرم ووجوب غض البصر، وعن الاختلاط، وعن التبرج والسفور، وخروج المرأة متعطرة متزينة، والخضوع في القول، والغناء والموسيقى ... إلى غير ذلك. ومن سياسة الوقاية والمنع في المملكة العربية السعودية: إقامة شعائر الإسلام الظاهرة، وعدم الاختلاط في التعليم وميادين العمل وفي المعارض التجارية والمناسبات والأفراح، وإلزام المرأة بالاحتشام، وتشجيع الشباب على الزواج، وحث أولياء الأمور على عدم المغالاة في المهور، وفتح المجال للراغبين في العمل، ومحاولة التصدي لظاهرة الفقر، واعتماد نظام الحسبة، والعناية بجوانب التوعية والإرشاد، وتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي.

الفصل الثالث: الجرائم الأخلاقية: تطورها، أبعادها، الأجهزة التي تتولى مهام تحقيق الأمن الأخلاقي:

في المبحث الأول: تكلم الباحث عن تطور الجرائم الأخلاقية في المملكة العربية السعودية، والتي بدأت تأخذ طابع التعدد والتنوع وهي : جرائم الاعتداء على العرض وفعل الفاحشة، وجرائم الاغتصاب وفعل الفاحشة بالقوة، وجرائم اللواط، وجرائم ممارسة البغاء والدعارة وإعداد الأماكن لذلك، وجرائم القوادة والتجارة بالنساء، وجرائم دخول المنازل لغرض سيء، وجرائم الإنترنت الأخلاقية والجنسية، وجرائم الاختلاء والعلاقات المحرمتين، وجرائم المعاكسات والتحرش بالنساء، وجرائم حيازة ونسخ وترويج الأفلام والأقراص الصور الخليعة، وجرائم الوقوع على المحارم، وجرائم التحرش بالأطفال وصغار السن والخادمات والمربيات، وجرائم تصوير الممارسات الفاحشة وجعلها طريقاً للابتزاز والمساومة، وجرائم التحرش الجنسي من خلال العمل المختلط. ومن سمات تفاقم الجرائم الأخلاقية: وجود العنف والإيذاء، والابتزاز والمساومة، وزيادة الجرائم من حيث الكم والنوع، وأخذت منحى في التنظيم والترتيب والتنسيق كالقوادة وشبكات الدعارة وغيرها، والوقوع على المحارم، والتصوير للجرائم، واستغلال مواقع العمل وانتشار مرض الإيدز في المجتمع. ومن دوافع وعوامل ارتفاع الجرائم الأخلاقية: دوافع ناتجة من عوامل فردية مثل الوراثة والسلالة والجنس والأمراض والتكوين العضوي والعقلي والنفسي له، ودوافع خارجية من خلال التركيب الاجتماعي للشخصية والمؤثرات المحيطة، ومن أهم الدوافع في الارتفاع: ضعف الوازع الديني، والتصدع الأسري، والعمالة الوافدة،وارتفاع معدلات البطالة، وتعاطي المسكرات والمخدرات، ووسائل الأعلام، والدوافع الجنسية، والصحبة السيئة.

أما المبحث الثاني من الفصل الثالث فتحدث عن أبعاد وانعكاسات الجرائم الأخلاقية وازديادها ومنها: انهيار كيان الأسرة، ومشكلة أولاد الزنى، والأمراض الجنسية المتعددة، وكثرة الجرائم والاعتداء على الأعراض، والأضرار الخلقية والسلوكية، والأضرار الاقتصادية، والآثار النفسية والاجتماعية. وفي المبحث الثالث ذكر الباحث الأجهزة الرسمية التي تتولى تحقيق الأمن الأخلاقي في المملكة العربية السعودية: ومكافحة الجريمة في المملكة مبنية على ثلاث مراحل: مرحلة ماقبل حدوث الجريمة، والمتمثلة بالجهود الوقائية، وتقوم بها معظم أجهزة الدولة، ومرحلة حدوث الجريمة وتقع على أجهزة الضبط الجنائي والأجهزة القضائية بشكل رئيس، ومرحلة مابعد حدوث الجريمة، وتشارك في هذه المرحلة المؤسسات العقابية والاجتماعية والثقافية. ثم فصل الكلام على دور القضاء الشرعي، ووزارة الداخلية، ودور الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في التصدي بالدور الوقائي والجنائي، ودور وزارة الإعلام.

شرع الباحث في المبحث الرابع بذكر أسباب ضعف وقصور الأمن الأخلاقي: فالقصور في الجوانب الوقائية، والقصور في عدم ملاءمة وتكافؤ العقوبة مع الجريمة، وعدم وجود إستراتيجية تبين الوسائل والأساليب التي تحقق أهداف السياسة الجنائية ومن أهم متطلبات الإستراتيجية: العلمية ووضوح الأهداف والواقعية والشمولية والتكامل والكفاءة والتطوير، والسياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية كفيلة بتحقيق الأمن الأخلاقي شريطة أن تنفذ السياسة الجنائية بصورة تكاملية وإطار منتظم بعيداً عن الإخلال والقصور أو الانتقاء والتذبذب.

الفصل الرابع: الدراسة التطبيقية :

وقسم الباحث الفصل الرابع إلى مبحثين: الأول: دراسة مضمون مجموعة من صكوك الأحكام القضائية في الجرائم الأخلاقية وتحليلها، وحصل على أحد عشر صكاً شرعياً صادرة، تشمل الجرائم الأخلاقية الحدية والتعزيرية. والمبحث الثاني: تحليل الظاهرة بالمنهج الوصفي التحليلي من خلال إحصائيات القضايا الأخلاقية من 1418هـ وحتى 1422هـ ودراستها. وتوصل إلى نسب معدلات الجريمة الأخلاقية بالنسبة لمناطق المملكة على النحو التالي: الرياض، الشرقية، مكة، المدينة القصيم، جازان ...الخ ، وبالنسبة لنوع القضايا على النحو التالي: قضايا الاختلاء المحرم، قضايا اللواط، ثم المعاكسات، ثم دخول المنازل، ثم محاولة اللواط، ثم حوزة المواد الخليعة، ثم الزنا وقضايا الدعارة... الخ. ثم قام الباحث بتحليل الجرائم من حيث معدلات كل نوع من الجرائم وأماكن وجودها بكثرة، فجريمة دخول المنازل تشكل منطقة الرياض أعلى نسبة ثم المدينة، وجريمة الاختلاء المحرم كذا في الرياض ثم مكة، وجريمة الزنا مكة المكرمة ثم الرياض، وجريمة محاولة الزنا مكة ثم الرياض، وجريمة اللواط الرياض ثم مكة، ومحاولة اللواط الرياض ثم مكة، وجريمة خطف الذكور والإناث الرياض ثم مكة، وجريمة معاكسة النساء مكة ثم الرياض، والتشبه بالجنس الآخر الرياض ثم مكة.. وهكذا.

 

جدول المجموع الكلي للقضايا الأخلاقية

       وفي نهاية البحث خلص الباحث إلى النتائج التالية :

1.        أن السياسة الجنائية في الشريعة الإسلامية تقوم على منهج تكاملي فريد.

2.        أن السياسة الجنائية متواجدة في كل بلد، ولا بد التحقق من فاعليتها، وصلاحيتها للمجتمع.

3.        أن السياسة الجنائية بمثابة الضابط.

4.        أن معالم وركائز السياسة الجنائية في المملكة العربية السعودي قائمة على الشريعة الإسلامية.

5.        أولت الشريعة الإسلامية جانب الأعراض والمحارم عناية فائقة ليس لها نظير.

6.   تبعاً لتقسيم الجرائم في الشريعة الإسلامية كان تقسيم العقوبات، فمنها محدد جنساً وقدراً كالحدود، وتعزيرية.

7.   يعتبر الجانب الإجرائي المتعلق بالإجراءات الجنائية من أهم المراحل التي تمر بها الجرائم الأخلاقية كالتحري والاستدلالات والقبض..الخ .

8.   سياسة المنع والوقاية لهما دور في تضييق دائرة الجرائم الأخلاقية، وبقدر نجاح هذه السياسة تحقق فاعليتها.

9.        السياسة الوقائية لابد لها من أن تسابق تطور الجريمة وأن تعمل على اتخاذ التدابير الكفيلة بالتصدي.

10. اتضح أن هناك تطور مقلق للجرائم الأخلاقية، وصور جديدة، وأخذت طابع التنوع والتعدد.

11. تبين أن هناك أبعاداً وانعكاسات خطيرة تنجم عن الإخلال بالأمن الأخلاقي لها آثارها على الفرد والأسرة والمجتمع.

12. أن أهم الأجهزة المعنية بتحقيق الأمن الأخلاقي: القضاء ووزارة الداخلية والرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووزارة الإعلام.

13. أن هناك حاجة ملحة لصياغة ووضع إستراتيجية منبثقة من السياسة الجنائية وأهدافها تتولى رسم الخطط الكفيلة بالحد من الجرائم الأخلاقية.

وختم الباحث دراسته بعدد من التوصيات ومن أهمها :

1.   ضرورة العناية بتحقيق الأمن الأخلاقي من خلال تفعيل دور السياسة الجنائية، وإعادة رسم أهدافها بما يتلاءم ويتوافق مع تطور الجريمة وسرعتها.

2.   ضرورة إنشاء مجلس أعلى للوقاية من الجريمة، يتكون من الجهات ذات العلاقة يقوم على رسم السياسات الجنائية والإستراتيجيات والخطط.

3.   أهمية العناية بالجانب العلمي في رسم السياسة الجنائية، وضرورة الاستفادة من البحوث والدراسات الجنائية.

4.        ضرورة التنسيق بين أجهزة الدولة المعنية بتحقيق الأمن الأخلاقي، لإعداد البرامج الوقائية والعلاجية.

5.        أهمية دعم الأجهزة الحكومية المعنية بمكافحة الجرائم الأخلاقية .

6.   ضرورة أن تتولى المحاكم الشرعية النظر في كافة القضايا الأخلاقية دون استثناء وفقا للمادة (49) من نظام الإجراءات الجزائية.

7.        ضرورة منع كل ما يصادم ثوابت الأمة ويمس قيمها وأخلاقها.

8.        إجراء المزيد من الدراسات والتأمل في أسباب تفاقم وتزايد الجرائم الأخلاقية.

9.   ضرورة تتبع أوجه الخلل والقصور للوقوف على حقيقة الأسباب التي تقف خلف ضعف وقصور تحقيق الأمن الأخلاقي.

10. الاهتمام بالإحصائيات الرسمية للجرائم الأخلاقية، وإنشاء قاعدة بيانات ومعلومات متكاملة بالتنسيق مع الجهات المعنية.

11. ضرورة إعداد صياغة موحدة لكيفية رصد معدلات الجرائم الأخلاقية بأنواعها.

       ثم ختم الباحث رسالته بفهارس للآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وفهرس للمراجع والمصادر، وفهرس للموضوعات.

       وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

إعداد

بسام بن سليمان اليوسف

مساعد مدير مركز البحوث والدراسات

 


 
ارسل لصديق | طباعة

» التاريخ :


اقرأ ايضا
صِفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر
هروب الفتيات أسبابه، آثاره، علاجه
دور السياسة الجنائية
الجرائم المستحدثة حول العالم
الخلاصة في المناهي اللفظية
السحر ، حقيقته وكيفية إثباته وعقوبته في الفقه الإسلامي
آراء المحتسب عليهم في المحتسبين الرسميين
النظر والأحكام في جميع أحوال السوق
الصفحة الرئيسية