الاحتساب
الحاجة إليه ومنزلته في الأديان السابقة
وتفضيل أمة الإسلام به
بقلم : د . محمد عثمان صالح .
( أ ) التعريف به :
الاحتساب لغة - هو العد والإحصاء ، من الفعل احتسب يحتسب إذا عد ، ويأتي أيضا بلفظ الحسبة إذا جاء من الفعل حسب يحسب . والحساب - كما هو معروف - العد والإحصاء . قال الجوهري : " حاسبته من المحاسبة ، واحتسب عليه كذا إذا أنكرته عليه . قال ابن دريد : واحتسبت بكذا أجرا عند الله . والاسم الحسبة ، وهي الأجر . ولذا يقال لمن مات له ولد أنه احتسب أجره عند الله تعالى .
والإنسان الذي يقوم بما يتعلق بهذا الأمر يسمى ( محتسبا ) لأن الأصل فيه أن يحتسب أجره عند الله تعالى . ويوضحه قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم : « من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » . متفق عليه .
أما تعريف الاحتساب في الاصطلاح فهو :
أمر بمعروف إذا ظهر تركه . ونهي عن منكر إذا ظهر فعله . وعلى هذا فالاحتساب ينبني على عمودين :
العمود الأول :
" الأمر بالمعروف ، والمطلوب فيه دعوة الناس إلى الحق والخير والعدل ، إذ المعروف هو كل قصد ، أو قول ، أو فعل حسنه الشرع وأمر به ، وتعارف عليه الناس أنه من أمر الله .
والعمود الثاني :
هو " النهي عن المنكر " ، والمطلوب فيه إرشاد الناس ، بحبسهم عن الوقوع في الإثم والظلم والشر ؛ لأن هذه المعاني تئول كلها إلى المنكر " من العزائم والأقوال والأفعال ، التي أنكرها الشرع وقبحها ، ونهى عنها ، وتعارف الناس على أنها شر فأنكروها فأصبحت لذلك " منكرا " . وبعبارة حديثة الحسبة : هي رقابة اجتماعية يقوم بها الأفراد ، أو المجتمع . أو رقابة إدارية تنظمها الدولة تحقيقا للخير والعدل ، ودفعا للشر والإثم .
( ب ) حاجة الطبيعة البشرية للاحتساب :
" إن الطبيعة البشرية المتفردة ، المتغيرة ، في حاجة دائمة للاحتساب الذي هو دعوة متجددة إلى الخير ، ونهي مستمر عن الشر . ذلك أن الإنسان - في الغالب - كائن غريب الأطوار ، لا يستقر على حال ، خاصة في أمر الهدى والضلال ، والطاعة والعصيان ، أو الكفر والإيمان فهو يحتاج للاحتساب لأمور تتعلق بقلبه ، وعقله ، ونفسه ، وطبعه .
أولا : فيما يتعلق بقلبه : فإن القلب سمي بذلك ؛ لأنه متقلب لا يستقر على حال . كما قال الشاعر فيه وفي حامله :
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... وما القلب إلا أنه يتقلب
فهو يتقلب بين غني مطغي ، وفقر منسي ، وهو في حالة كفره ليس كمثله في حالة إيمانه ، وهو في حالة إيمانه بين أصبعين من أصابع الرحمن ، ولذا لزم تذكيره ، والدعاء له بالثبات ، بمثل دعاء المصطفى - صلى الله عليه وسلم : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » .
ثانيا : فيما يتعلق بعقله : فإن العقل وحده لا يكفي في الوصول إلى الرشاد ، إذ لا يعدو أن يكون في بعض الأحيان مثل آله - لا يحسن استخدامها ، فتضر أكثر مما تفيد ، قال تعالى :
{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } .
ثالثا : فيما يتعلق بنفسه فهي في جبلتها أمارة بالسوء ، فلا بد أن يتولاها صاحبها بالمجاهدة ، ويتعهدها المربون بالعناية والتذكير حتى ترتفع من درجة الأمارة ؟ إلى درجة ( اللوامة ) إلى درجة ( المطمئنة ) ؛ لأن الله فطرها قابلة لتنزل الخير والشر قال تعالى :
{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا }
{ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا }
رابعا : فيما يتعلق بطبعه مما ركب فيه من ميول وغرائز وجنوح للشهوات يقول الله تعالى مبينا هذا الجانب :
{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ }
ولذا فإن الإنسان إذا ما حصل على بغيته من متاع الدنيا ، وسارت معه ريح الشهوات كما يهوى ، فإنه ينسى كل شيء حتى نفسه التي بين جنبيه ، بل وينسب لها ما ليس لها ، ويدعي فيما أوتي من متاع مثل ادعاء قارون : { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } .
ولذا لزم تذكيره ، كي لا يعدو قدره ، ويتجاوز حده . . . . ومن طبع الإنسان أيضا حين يحصل مراده ، وما تشتهيه نفسه أن يجنح إلى الطغيان ، وتلك حقيقة ثابتة قررها القرآن الكريم في قوله عز وجل :
{ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى } . { أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى } .
ومن شأن الطغيان أن يحمل على الظلم ، ومن شأن صاحبه أن يكون كنودا جحودا كما جاء بيانه في الآية :
{ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } . { وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } . { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } .
ولكن بإيزاء هذه الصفات التي تصطرع في داخله ، نرى أن الله تعالى قد منحه صفات أخرى فيها من السمو والكمال ما يرفعه إلى آفاق عليا - إذا استقام عليها وأخذ بعزائمها ، فقد أعطاه منحة العقل ، الذي به يعرف الهدى ، أعطاه خاصية التعبير الذي به يبين ، وميزه بفضيلة التعليم حتى يغاير البهيم . وذلك كله من رحمته - سبحانه - التي تجلت في اسمه الفريد " الرحمن " ، قال تعالى :
{ الرَّحْمَنُ } . { عَلَّمَ الْقُرْآنَ } . { خَلَقَ الْإِنْسَانَ } . { عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } .
ومن الصفات التي امتن الله تعالى بها على الإنسان ، وجعلها من آياته : الرحمة التي أودعت بين جنبيه ، والمودة التي تملأ نفسه ، والعطف الذي يخالط شغاف قلبه ، والصبر الذي يتحلى به ، والحياء الذي يزينه ، والعفة التي ترفعه ، والإيمان والتقوى اللذان يحلقان به بعيدا عن دنيا الغافلين .
ولكن هذه الأخلاق قلما تصفو في النفس ، وقلما يحتمل الصبر على عنتها معظم الناس ، لذا فإن الحق تبارك اسمه يقول :
{ وَالْعَصْرِ } . { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ }.
ولا يستثنى من ذلك : { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم ونطقوا بألسنتهم{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بجوارحهم ، { وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ } وهو أداء الطاعات ، وترك المحرمات { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } على المصاب ، وأذى من يؤذي ، ممن يأمرونه بالمعروف ، وينهونه عن المنكر .\
وعند التأمل في هذه السورة ، نعلم أنها قد شخصت الداء وأعطت الناجع من الدواء . . . روي عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال : " لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم " .
وخلاصة القول نجدها فيما ذكر الإمام ابن تيمية - رحمه الله - إن الأمر والنهي لازمان للإنسان . " . . . وكل البشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي ، ولا بد أن يؤمر وينهى ، حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها ، إما بمعروف ، وإما بمنكر كما قال تعالى : { إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } انتهى .
ولا شك أن هذا الذي قررناه يسقط زعم بعض مرضى القلوب ، ممن يرفضون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكنهم يخدعون الناس ببريق الألفاظ الزائفة" كاحترام الحرية الشخصية " و " رفض الوصاية على الناس " و " رفض التعصب " و " البعد عن الهوس الديني " .
أما حقيقة ما يريد هؤلاء فهو شيوع الفاحشة ، وإباحة المعصية ، واتباع الشيطان ، ومخالفة أمر الرحمن ، وأصدق دليل على هذا نقول - قول الله تعالى :
{ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا } .
ولنستعرض الآن بعض هذه الألفاظ التي يصرفون بها الناس عن تلقي الهدى ، أو الدعوة إليه ، لنرى أي مهلكة يريدها هؤلاء للمؤمنين ؟ فدعوى الحرية الشخصية ( التي راجت في المجتمعات الغربية ) تقف في وجه الدعوة إلى الله ؛ لأنهم يأخذونها بمعنى ( الإباحة ، لكل ما هو محظور ، وإتيان كل ( منكر ) والامتناع عن أداء كل ما هو " معروف " . فهم بهذه الدعوة يريدون منع " الاحتساب " على أصحاب المعاصي . وهذه دعوى باطلة لأن حرية الشخص تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين ، بمعنى أن فاعلي الشرور والآثام إذا تركوا على هواهم فإنهم لا ريب ضارون ومنقصون لحريات الآخرين ، فإذا ترك الأمر للسكارى والمدمنين مثلا - على ما يشتهون - كما يكون الحال قبل الأخذ بالأحكام الشرعية أو حين التراخي في تطبيقها - فإنهم لن يتركوا موضعا إلا وتفوح منه رائحة الخمر ، ولا يرضيهم إلا أن تكون الخمر والمخدرات في كل ركن وبيت كما كان مشاهدا .
وإذا تركت الأمور لأهل الخنا والفجور ، فإنهم لا يرضون بديلا لإشاعة الفاحشة ؛ لتعم رائحة الرذيلة كل الأرجاء . . . وإذا تركنا الأمر للطامعين في أموال الناس ومقدرات الأمة ، من اللصوص الكبار والمرتشين والغاصبين فكيف الحال ساعتئذ ؟ . وقد رأى الناس منهم الويلات رأي العين ! ! .
أما قضية " رفض الوصاية على الآخرين " فإنها بدعة روجها العلمانيون والشيوعيون ، ودعاة " الطاهوية " من الجمهوريين . . . لأن هؤلاء يريدون للمجتمع أن يكون بلا دعاة أو رعاة أو آباء مربين أو قوم صالحين ، ولذا تركزت حملاتهم على من أسموهم برجال الدين في كل المؤسسات الإسلامية ، كالقضاء الشرعي والمعاهد العلمية ، حتى إذا ما شوهوا صورتهم عند الناس ، خلا لهم الجو ليروجوا الباطل من دعوتهم .
{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } .
إن حال الذين يصرفون الناس عن الحق بهذه الحجة ليس بأفضل من حال زعيم الجاهلية الذي ذمه الله تعالى بقوله :
{ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى } . { عَبْدًا إِذَا صَلَّى } . { أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى } .
{ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى } . { أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } .{ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } .
أو كشأن الجاهلي الآخر الذي نهى الله عن طاعته فقال :
{ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ } . { هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} . { مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ } .
{ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } . { أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } .
{ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } .
فعلى أبناء المسلمين أن ينتبهوا لما يدبر لهم من أخطار ، وعلى كافة الأمة الأخذ على أيدي السفهاء . . . وعلى علماء الأمة بيان حالهم الذي يسهل كشفه حتى لو احتمى بعض هؤلاء " بالتقية " وإظهار التكيف مع الأوضاع الجديدة ، وعلى أولياء الأمور ورجال الدعوة معرفة المندسين والمدسوسين مهما احتموا بحصون النفاق والمسايرة ، وإن معرفتهم يسيرة إذ يقول الله تعالى فيهم :
{ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ } .
{ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } .
( ج ) الاحتساب في الأديان السابقة :
الدعوة إلى الله تعالى هي طريق كل الدعاة الصادقين ، والنهج الرباني لهذه
الدعوة هو الذي سارت عليه الأنبياء ومن تبعهم من الأمم " منذ أن تفضل الله بهدايته على الإنسان عبر الأزمان ، قال تعالى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } .
وقال سبحانه :
{ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } .
من هنا نعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانا في الأديان السابقة ، ولذا فإننا نرد دعوى من ادعى أن ذلك الأمر خاص بأمة محمد دون الأمم الأخرى ، ذلك أن الإنسان في كل الأزمان وعلى كل الأحوال - كما بينا - يحتاج إلى الهداية ، والموعظة ، والتذكير ، ثم الزجر ، والمنع ، والردع . . . وحيثما كانت رسالة كانت دعوة ، وحيثما كانت دعوة فهناك احتساب .
وصحيح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبح ميزة من مميزات أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ لأنها هي التي حافظت عليه حين أضاعته الأمم الأخرى من يهود ونصارى . وهذه الميزة أضحت مناط أفضلية أمة الإسلام على الأمم الأخرى كما سنذكره - إن شاء الله - لكن الاحتساب بمعنى الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قديم قدم انحرافات البشرية ؛ لأن أمرها على هذا لا يستقيم بدونه ، وأول الإشارات فيه تعود إلى عهد نوح ( عليه السلام ) .
فقد جاء في القرآن الكريم :
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا } . { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا } .
{ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا } . { ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا } .
{ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } .
ومن بعد نوح جاء لقمان ( عليهما السلام ) وكانت وصيته لابنه وهو يعظه دليلا على اهتمام واضح بدعوى الاحتساب كما جاء في الآية :
{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ }.
وهذه الوصية تجمع ثلاث خصال من خصائص الأمة التي تأمن الخسران في الدنيا ، وتضمن الجنات في الآخرة : وهذه الخصال هي :
- العمل الصالح المتمثل في الصلاة .
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
- الصبر . . الذي هو عدة الدعاة .
ثم جاءت رسالة موسى وهارون ( عليهما السلام ) ، والتي اهتدى بهداها من شاء الله له الإيمان والنجاة ، وضل عنها آخرون من السفهاء البغاة . وترددت في القرآن الكريم أصداء مواقف هؤلاء المؤمنين وأولئك الكافرين ، فعن الفئة الأولى المؤمنة يقول تعالى :
{ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } .
أما عن الفئة الثانية الباغية فيقول سبحانه :
{ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } .
ويدور الحوار بين الفئتين حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . حتى ليظن بعض أفراد الفئة المؤمنة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
( بالوعظ والتذكير ) قد لا يفيد مع المعاندين ، ولكن سلامة الفهم عند بعضهم تشير إلى قضية أخرى هامة ، وهي أن الاحتساب في حد ذاته أمر واجب ، وبه يحصل الإعذار . . . وقد تحصل به التزكية والتسامي على الباطل . وهذا كله نجده في قوله تعالى عن جيل من بني إسرائيل :
{ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } (1) { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } .
ثم شاع الانحراف في اليهود بعد ذلك حيث طال عليهم الأمد وقست قلوبهم ونسوا حظا مما ذكروا به ، وضلوا كما ضلت قبلهم أمم ، وكان السبب الأساسي لانحرافهم هو ترك الاحتساب كما قال الصادق المصدوق محمد - صلى الله عليه وسلم : « إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول ، يا هذا اتق الله ، دع ما تصنع ، فإنه لا يحل لك ! ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض » .
وفي كتب أنبياء بني إسرائيل في " العهد القديم " دعوة صريحة لإقامة الاحتساب ، والحض على الأمر والنهي ، وتعلم العلم ، ففي سفر الأمثال المنسوب لسليمان ( عليه السلام ) جاء :
" لتعط الجهال ذكاء ، والشاب معرفة وتدبرا . . يا بني لا تسلك في الطريق معهم ، امنع رجلك عن مسالكهم ؛ لأن أرجلهم تجري إلى الشر ، وتسرع إلى سفك الدم " .
ثم يخاطب الجميع قائلا :
" ارجعوا عند توبيخي . . . لأني دعوتكم فأبيتم ؟ ومددت يدي وليس من يبالي ، بل رفضتم مشورتي " .
وفي سفر أرمياء :
" ويل للرعاة الذين يهلكون ، ويبددون غنم رعيتي . . . . هاأنذا أعاقبكم على شر
أعمالكم . . . لأن الأرض امتلأت من الفاسقين ؛ لأنه من أجل اللعن ناحت الأرض وجفت مراعي البرية وصار سعيهم للشر ، وجبروتهم للباطل . . . ولو وقفوا في مجلس لأخبروا شعبي بكلامي ، وردوهم عن طريقهم الرديء ، وعن شر أعمالهم " .
ومن أجل أن بني إسرائيل تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يستمعوا لنداءات الأنبياء أو المصلحين الصادقين حكم الله عليهم - من أجل ذلك - بالطرد من رحمته واللعن ، قال تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } .
{ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }.
ويوم أن انصرفوا عن الهدى جاء الإنذار بتصرم عهدهم ، كما جاءت البشرى ببزوغ فجر جديد ، ونور مضيء ، حادي ركبه الرسول النبي الأمي ، والمهتدون به هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . كما جاء وصفهم في التوراة والإنجيل وأكده القرآن الكريم في قوله تعالى :
{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .
( د ) تفضيل أمة الإسلام بالاحتساب :
لقد مر بنا قبل قليل أن الله تعالى وصف نبيه محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) في كتبه المقدسة بأنه الرسول النبي الأمي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، الذي يضع عن أمته إصرهم والأغلال . وذلك بفضل الله ثم بالدعوة الخالصة . ولقد تجاوز فضل الدعوة مداه إذ لم يقف الأمر عند حد الآصار والأغلال بل فاضت البركات على أمة البشير النذير حيث تمثلت هديه ، وامتثلت أمره ، وتأسست باحتسابه ، فرفع الله مقامها بإيمانها ، وفضلها على سائر الأمم باحتسابها . قال تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } ، فجعل الله تعالى هذه الخيرية متعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما علق الأمر والنهي بالإيمان ذاته بل ذلك من أصدق علاماته ، كما أن عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أظهر علامات النفاق .
في المثال الأول يقول سبحانه :
{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }.
كما جعل ذلك مع المحافظة على الحدود تاجا لصفات ؛ بها يتحقق كمال العبودية لله تعالى . أما الذين يتحلون بذلك التاج فهم :
{ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ } .
وفي المثال الثاني يقول عز من قائل :
{ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } .
وهم في ذلك إنما يتبعون خطوات الشيطان الذي لا يضره شيء مثل قيام الناس بهذه الفريضة ، ولا يسره شيء مثل ترك الناس لها .
{ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } .
ومن أجل إبعاد الشيطان ، وإبطال كيده ، أمر الله بالذكر والتذكير وتجنب مخالطة العصاة من أصحاب السوء قال تعالى في كتابه الكريم :
{ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
ويقول جل شأنه :{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}
مجلة البحوث الإسلامية - العدد السابع عشر - البحوث (ص302)