الاحتجاج على فعل المنكر بأن المسألة خلافية؛
و«لا إنكار في مسائل الخلاف»
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-:
«وقولهم «مسائل الخلاف لا إنكار فيها» ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل:
أمّا الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء.
وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار، أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد -كما اعتقد ذلك طوائف من الناس-.
والصواب الذي عليه الأئمة: أن مسائل الاجتهاد: ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه؛ فيسوغ إذا عدم ذلك فيها الاجتهاد؛ لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها».
وقال ابن القيم –رحمه الله-:
"وقد قال ابن القيم -رحمه الله- قريباً من قول شيخ الإسلام ابن تيمية" وليس في قول العالم: (إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا يسوغ فيها الاجتهاد) طَعْنٌ على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب.
والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينـزل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يُقتل بكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضراً وسفراً، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة،...
ولهذا صرح الأئمة بنقض حُكم مَنْ حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها.
وعلى كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهره".
* وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب–رحمه الله-:
«وأما قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد...:
فإن أراد القائل مسائل الخلاف؛ فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومَن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم، وإذا كان الله بعث محمداً بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه، وترك ما خالفه؛ فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه.
وإن أريد بمسائل الاجتهاد: مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب؛ فهذا كلام صحيح، ولا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفاً لمذهبه أو لعادة الناس، فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر إلا بعلم، وهذا كله داخل في قوله ]وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[ [الإسراء:36]».
* وقال الشوكاني –رحمه الله-:
«هذه المقالة -أي: لا إنكار في مسائل الخلاف- قد صارت أعظم ذريعة إلى سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما بالمثابة التي عَرَّفناك، والمنـزلة التي بيّناها لك، وقد وجب بإيجاب الله -عز وجل-، وبإيجاب رسوله -صلى الله عليه وسلم- على هذه الأمة، الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع، والنهي عما هو منكر من منكراته: ومعيار ذلك الكتاب والسنة، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفاً، وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكراً.
وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولاً، ثم على العامل به ثانياً.
وهذه الشريعة الشريفة التي أُمِرْنا بالأمر بمعروفها، والنهي عن منكرها، هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة».
* وقال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- ردًا على من قال: (المسائل الخلافية لا إنكار فيها):
"لو أننا قلنا: «المسائل الخلافية لا إنكار فيها»، ذهب الدين كله؛ لأنك لا تكاد تجد مسألة إلا وفيها خلاف بين الناس.
نضرب مثلاً: رجل مس امرأةً بشهوة، وأكل لحم إبل، ثم قام ليصلي، وقال: أنا أتبع الإمام أحمد في أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، وأتبع الشافعي في أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وسأصلي؛ فهل صلاته الآن صحيحة؟
هي على القولين غير صحيحة؛ لأنها إن لم تبطل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ بطلت على مذهب الشافعي، وإن لم تبطل على مذهب الإمام الشافعي؛ بطلت على مذهب الإمام أحمد؛ فيضيع الإنسان.
والمسائل الخلافية تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مسائل اجتهادية يسوغ فيها الخلاف؛ بمعنى: أن الخلاف ثابت حقاً وله حظ من النظر. فهذه لا إنكار فيها على المجتهد.
أما عامة الناس فإنهم يُلزَمون بما عليه علماء بلدهم؛ لئلا ينفلت العامة؛ لأننا لو قلنا للعامي: أي قول يمر عليك لك أن تأخذ به؛ لم تكن الأمة أمة واحدة، ولهذا قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: «العوام على مذهب علمائهم».
فمثلاً: عندنا هنا في المملكة العربية السعودية: أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها؛ فنلزم نساءنا بذلك، حتى لو قالت لنا امرأة: أنا سأتبع المذهب الفلاني والفلاني؛ قلنا: لا؛ أنتِ عامية، ما وصلتِ إلى درجة الاجتهاد، وإنما تريدين اتباع هذا المذهب لأنه رخصة، و«تتبع الرخص حرام».
أما لو أتانا عالم من العلماء الذي أداه اجتهاده إلى أن المرأة لا حرج عليها في كشف الوجه، ويقول: إن امرأتي سوف أجعلها تكشف وجهها.
قلنا: لا بأس، لكن لا يجعلها تكشف وجهها في بلاد محافِظة يسترون الوجوه، يُمنَع من هذا:
لأنه يفسد غيره.
ولأن المسألة اتفاقية في أن ستر الوجه أولى، لكن الخلاف في الوجوب، فإذا كان ستر الوجه أولى فنحن لم نلزمه بما هو حرام -على مذهبه-، إنما ألزمناه بما هو أولى.
ومن أجل أن لا يفسد الناس عندنا فيتبعون الرخص...