الأمن الفكري.. لماذا؟ وكيف؟

للدكتور: عبدالمحسن بن عبدالرحمن القفاري

ربما لا يكون الحديث عن الإحساس بنعمة الأمن أمرًا لافتًا لدى البعض؛ لأنهم -بحمد الله- لم يفقدوه يومًا؛ فهو كالهواء وضوء الشمس التي لا تصلح الحياة إلا بها. ولذا فالناس لا يقدرونها قدرها لاعتيادهم عليها.

فهذه البلاد تعيش -بحمد الله- الأمن بشكل سلس، ولم يَرَ الناس خلل الأمن والاضطراب كيف يعصف بالحياة من كل جوانبها.

ولو أجال المرء بصره لَرَأَى مجتمعاتٍ حولنا يعوزها الأمن -وهو أعظم النعم-، ولغيابه -جزءًا أو كلًا- فسدت معالم حياتِهم، وأصبح الرفاه حلمًا بعيد المنال، وغدا الحفاظ على الروح والعرض أعظم الكنوز. ولقد ترى فيها صورًا من الفزع والخوف المخبوء في عيون الأطفال والنساء؛ فالليل مؤذن بحالة الترقب والرهبة الساكنة في جوف المشاعر، وصار قتل النفوس أرخص ما يكون لاستلاب شيء زهيد.

ولو عُدنا بالتاريخ إلى ما قبل توحيد المملكة؛ لرأينا حالة الهلع التي عاشها أسلافنا جراء فقد الأمن. وذلك الموجود سابقًا عاد في أُمَمٍ حولنا عندما توفرت ظروفه، ولم تكن المدنيةُ وتحضّر الدولة مانعًا من وقوعه؛ لَمَّا ترك المجتمع التعاون على منع ما يهدم أُسُسَ الأمن التي تأتي هذه الأحرف للحديث عنها.

وإذا قلبت هذه الصفحة وجدتنا -بحمد الله- نعيش في المملكة الأمن نعمةً قد لا يَفطن لها الكثيرون؛ لدوام توفرها واكتساء الحياة بها. والأمن لم يكن يومًا بهذه العفوية، ولا هو نتيجة فجائية لا تُعرف له أسباب أو مقدمات. ومِن أوضح أسبابه -بعد تحقيق توحيد الله وتطبيق شرعه-: أن يقوم به الأقوياء الأمناء.

وإن من حق المجتمع على أفراده: أن يقوموا بدورهم في الحفاظ على هذه النعمة العظيمة، ويأخذ الجانب الوقائي حيزًا مهمًا، يتلوه نشره في الأوساط استنادًا للنصوص الشرعية. فمفهوم الأمن أعمق من صورته النمطية عند البعض، وينعكس في النهاية على الصورة الكلية لبنيان المجتمع.

إن الجرائم التي نسمع عنها ونشاهدها مع تنوعها: هي في صورةٍ من صورها أفكار خاطئة في أذهان المجرمين أو المخَرّبين؛ لذا فالحاجة ملحَّة لمحاصرة هذه الأفكار في مهدها، ولن تحاصر إلا إذا عُمرت الأنفس بالصلاح الذي يُضعِف نوازع الشر، ويبعث روح الإيمان والصلاح، وذاك هو التحدي الذي يواجه مؤسسات التنشئة الاجتماعية في ظل المتغيرات التي نعايشها اليوم.

يعضد ذلك أن رجل الأمن الأول سمو الأمير نايف: يؤكد دومًا على أهمية العناية بالفرد وصيانة فكره ومعتقده؛ وذلك للعلاقة الارتباطية الواضحة التي خبرها سموه بين معدل الجرم والجنوح ومقدار الأفكار الفاسدة التي قد يحملها الفرد، ولذا كان سموه مِن أوائل المنادين بالتركيز على الأمن الفكري، وهو مَن بدأ عرض المبادرات حوله في المناسبات والملتقيات العربية.

ومن المجدي كثيرًا: استحداث جميع الجهات أنشطة تخدم مسار تحقيق الأمن الفكري، وتوفير أعظم متطلبات المرحلة القادمة؛ بالسعي لتنقية المجتمع من الشوائب الفكرية والسلوكية ببرامج مبتكرة لمواجهة التحدي المستقبلي.

ولتحقيق أكبر قدر من المساندة والتوحّد مع الجهود الأمنية التي يقوم بها قادة البلاد؛ لابد من السعي لصياغة مشروعات وشراكات مع الصروح الأكاديمية؛ تطلبًا لأعلى درجات تأهيل منسوبي الجهات المعنية والأخرى المساندة؛ لتبني الفعالية في تعزيز الأمن بمفهومه الشامل والحماية الفكرية على وجه الخصوص؛ لأنها البواعث الرئيسة والمحرك للأفعال. ولذلك نرى نجاح سياسات التغيير المرتبطة بالقناعات أكثر من تلك المعنية بجانب السلوك؛ وذلك مصداق حديث الذي لا ينطق عن الهوى -صلى الله عليه وسلم-: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله».

ذاك يستدعي وحدة فكرية وقيمية تتمحور حولها الجهود؛ لخدمة الدين، وحفظ الوطن، والسعي لترجمة هذه الجهود عبر منتجات مؤثرة تُؤسِّس لثقافة جماهيرية صلبة تقف سدًا منيعا ضد أي انحراف.

وهنا يأتي التنبيه حول ما يُمكن أن يشوش على الجهود الإصلاحية ويسيء لمعاني الاجتماع على الحق: إذ يبرز تلقف الفتاوى الشاذة وتوظيف الآراء غير المعتبرة التي تكون مطية سهلة الركوب لكل ضعيف نفس ومتبع لهواه. ولقد اصطلت عدد من المجتمعات الإسلامية بنيران الاحتراب نتيجة التفتيش عن أقوال شاذة أو تعميم لمجملات، أو أخذ النصوص بالتشهي.

لقد عانت حقب ومجتمعات من عدم الأخذ عن الراسخين في العلم والعلماء الربانيين، وإباحة الشؤون العامة والنوازل للأصاغر. ولئن كان ذلك مقبولًا زمن العافية؛ فهو غير لائق ونحن نرى مَن يستهدف كياننا وبُنيانَنا الاجتماعي، الذي بذل لأجله المؤسس -رحمه الله- ومن معه من المخلصين جهدَهم ودماءَهم وأرواحهم وأموالهم.

والخلاصة: أن الفكر والأمن قرينان، يحقق كل منهما الآخر، ويُؤثران في بعضهما، وهما مسؤولية يشترك فيها الجميع. وتتحقق بالتكامل، والمساندة التامة لجهود رجالها، وتنمية روح المسؤولية، والتعاون على البر والتقوى، وتعزيز معاني الفضيلة، وتقليل منابع الشر والرذيلة؛ لنكون أمةً وسطًا -كما أراد الله- نأخذ بأطراف الخير وأركانه؛ لنتولى ريادة العالم في الدعوة للشريعة، وإظهار العدل مع المخالف، ورد ظلم الظالم وانحراف المنحرف -ولو كان من أبنائنا أو أحب الناس إلينا فالحق أحق أن يتبع-...

ولن يصلح شأننا إلا بالانضواء تحت راية ولاة أمرنا، ومساندتِهم، وحب الخير لهم؛ ففي ذلك صلاح البلاد والعباد.

[«مجلة الحسبة» العدد 97، ص 3]

 


 
ارسل لصديق | طباعة

» التاريخ :
09/08/1431 

اقرأ ايضا
الاحتساب خيار أم اختيار
الأبناء وشعيرة الأمر بالمعروف
لا تسبوا رجل الهيئة؟!
الهيئة والشعوذة
مؤسسات المجتمع ونظام الحسبة في الإسلام
تربية النفس على الأمر بالمعروف
حتى تكون أسعد الآباء ؟!
كيف ننمي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدى النشء؟
وسائل الإقناع وغسيل الدماغ
الدعوة إلى الله في وسائل الإعلام