سلامة الصدر

بقلم فضيلة الدكتور خالد بن عبد الله المصلح

إن من لوازم التقوى سلامة الصدر من الغل والحقد والحسد والضغائن والرذائل قال تعالى : { فاتقوا الله وأصلحو ذات بينكم } [ الانفال : 1 ] ، ولا يكون صلاح ذات البين إلا بسلامة الصدر من تلك الآفات .

لذا فإن دين الإسلام قد حرص حرصاً شديداً على أن تكون الأمة أمة واحدة ، في قلبها وقالبها ، تسودها عواطف الحب المشترك ، والود الشائع ، والتعاون على البر والتقوى ، والتناصح البناء الذي يثمر إصلاح الأخطاء ، مع صفاء القلوب وتآلفها ، دون فرقة وغل وحسد ووقعية وكيد وبغي .

وقد جاءت الآيات القرآنية والآثار النبوية منسجمة متناسقة متضافرة لتحقيق ذلك المقصد الشرعي الكبير .

فمن تلك الآيات قول الله تعالى في الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } [ الحجرات : 10 ] فالأخوة الإيمانية تعلو على كل لاف مهما اشتدت وطأته واضطرمت شدته وبلغ الاشتباك المسلح .

أما الأحاديث فمنها قوله : " لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً " رواه الشيخان ومنها قوله : " المؤمن للمؤمن كالبنيان ، يشد بعضه بعضاً " وشيك بين أصابعه . رواه الشيخان .

ولقد ضرب الصحابه رضي الله عنهم أروع الأمثلة في سلامة القلوب وطهارة الصدور ، فكان لهم من هذه أوفر الحظ والنصيب ، فلقد كانوا رضي الله عنهم صفاً واحداً ، يعطف على بعض ، ويرحم بعضهم بعضاً ، ويحب بعضهم بعضاً كما وصفهم جل وعلا بذلك حيث فقال : { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [ الحشر : 9 ] وكما قال جل ذكره في وصفهم : { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً } [ الفتح : 29 ] .

ولقد كان لسلامة الصدر عندهم منزلة كبرى ، حتى إنهم جعلوها سبب التفاضل بينهم قال إياس بن معاوية بن قرة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدراً وأقلهم غيبة . وقد قال سفيان بن دينار لأبي بشر أحد السلف الصالحين : أخبرني عن أعمال من كان قبلنا ، قال : كانوا يعلمون يسيراً ويؤجرون كثيراً ، قال سفيان : ولم ذاك ؟ قال أبو بشر : لسلامة صدورهم .

        إن المرء لا ينقضي عجبه من ذلك الجيل الصالح الكريم ، حيث إن قلوبهم بقيت صافية وسليمة طيبة السريرة رغم ما وقع بينهم من فتن كبار ، أشهرت فيها السيوف ، واشتبكت فيها الصفوف ، فلا إله إلا الله ما أطيب المعشر وأكرمه .

ومن تلك المواقف ما حفظه التاريخ عن الشعبي رحممه الله قال : رأى علي بن أبي طالب طلحة بن عبيد الله في واد ملقى بعد وقعة الجمل التي كانت بين علي وبين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم ، فنزل فمسح التراب عن وجه طلحة . وقال ( عزيز علي - يا أبا محمد - أن أراك مجندلاً في الأودية تحت نجوم السماء ، إلى الله أشكو عجزي وبجري ) .

إن سلامة الصدر خصلة من خصال البر عظيمة ، غابت رسومها ، واندثرت معالمها ، وخبت أعلامها ، حتى غدت عزيزة المنال ، عسيرة الحصول ، مع ما فيها من الفضائل والخيرات . وها أن ذا أذكر بعض فضائلها ، عسى أن تكون حافزة لنا على الأخذ بها والحرص عليها ، فإنه قبل الرماء تملأ الكنائن .

فمن فضائل سلامة الصدر أنها صفة أهل الجنة ، الذين هم خير أهل ومعشر ، قال تعالى : { يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) } [ الشعراء : 88 - 89 ] .

ومن فضائل سلامة الصدر أن صاحبها خير الناس وأفضلهم ، فإن النبي قد سئل : أي الناس أفل ؟ فقال : " كل مخموم القلب ، صدو اللسان " قالوا : صدوق اللسان نعرفه ، فما مخموم القلب : " هو التقي النقي ، لا إثم فيه ولا بغي ، ولا غل ولا حسد " رواه ابن ماجه بسند لا بأس به ، فبدأ  بالتقوى التي تثمر صفاء القلوب وسلامتها من الآفات والرذائل .

إن من فضائل سلامة الصدر أنها معينة للقلب على الخير والبر  والطاعة والصلاح فليس أروح للمرء ولا أطرد للهم ولا أقر للعين من سلامة الصدر على عباد الله المسلمين .

ومن فضائل سلامة الصدر أنها تقطع سلاسل العيوب وأسباب الذنوب فإن من سلم صدره وطهر قلبه عن الإرادات الفاسدة والظنون السيئة عف لسانه عن الغيبة والنميمة وقالة السوء .

ومن فضائل سلامة الصدر أن فيها صدق الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه أسلم الناس صدراً ، وأطيبهم قلباً وأصفاهم سريرة . وشواهد هذا في سيرته كثيرة ، ليس أعظمها أن قومه أدموا وجهه يو أحد ، وشجوا رأسه وكسروا رباعيته فكان يمسح الدم ويقول : " اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .

أنه لا نجاة ولا فلاح للعبد يوم القيامة إلا بأن يقدم على مولاه بقلب طيب سليم ، كما قال الله تعالى : { يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89)  } [ الشعراء : 88 - 89 ] . وصاحب القلب السليم هو الذي سلم صدره وعوفي فؤاده من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسةى، فسلم من كل آفة تبعد عن الله تعالى .

إن لسلامة الصدر أسباباً وطرقاً لابد من سلوكها ، فمن تلك الأسباب : الإخلاص لله تعالى ، فعن زيد بن ثابت مرفوعاً : " ثلاث لا يغل عليهن صدر مسلم ك إخلاص العمل لله عز وجل ومناصحة أولي الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين " رواه أحمد بسند صحيح . قال ابن الأثير عند هذا الحديث : " إن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب ، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدخل والشر " .

ومن أسباب سلامة الصدر الإقبال على كتاب الله تعالى الذي أنزله شفاء لما في الصدور ، قال الله تعالى : { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) } [ يونس : 57 ] فكلما أقبلت على كتاب الله تلاوة وحفظاً وتدبراً وفهمها صلح صدرك وسلم قلبك .

ومن أسباب سلامة الصدر دعاء الله تعالى أن يجعل قلبك سليماً من الضغائن والأحقاد على إخوانك المؤمنين ، قال الله تعالى : { والذين جاءوا من يعدهم ويقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا رءوف رحيم } [ الحشر : 10 ] .

إن من طرق إصلاح القلب وسلامة الصدر إفشاء السلام بين المسلمين ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً : " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشو السلام بينكم " .

وقد أجاد من قال :

            قد يمكث الناس دهراً ليس بينهم ود            فيزرعه التسليم واللطف

ومن أسباب سلامة الصدر الابتعاد عن سوء الظن فإنه بئس سريرة الرجل قال الله تعالى :

{ يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم } [ الحجرات : 12 ] ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن : فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخواناً " رواه الشيخان .

فانظر كيف بدأ بالنهي عن سوء الظن : لأنه الذي عنه تصدر سائر الآفات المذكورة في الحديث فالواجب عليك - يا عبد الله - أن تطهر قلبك من سوء الظن ما وجدت إلى ذلك سبيلاً .

هذه بعض أسباب صلاح القلب وسلامة الصدر ، فإنه من صدق في طلبها أدركها فـ :

لو صح منك الهوى           أرشدت للحيل

اللهم إنا نسألك صدوراً سليمة ، وقلوباً طاهرة نقية ، اللهم طهر قلوبنا من الشرك والشك والنفاق وسائر الآفات .

 

 
 


 
ارسل لصديق | طباعة
» التاريخ :
14/03/1431 
اقرأ ايضا
الاحتساب خيار أم اختيار
الأبناء وشعيرة الأمر بالمعروف
لا تسبوا رجل الهيئة؟!
الهيئة والشعوذة
مؤسسات المجتمع ونظام الحسبة في الإسلام
تربية النفس على الأمر بالمعروف
حتى تكون أسعد الآباء ؟!
كيف ننمي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدى النشء؟
وسائل الإقناع وغسيل الدماغ
الدعوة إلى الله في وسائل الإعلام